أبو عبدالله يسأل!

أبو عبدالله الذي ذكرته في آخر تدوينة هو إنسان ذو خلق جم… ينحدر أصله من حضرموت وكما هو معروف بأن الحضارم أهل تجارة ولهم فيها باع طويل عبر الزمن ولا يمكنني أن أحصره هنا…

الشاهد في الموضوع أن أبو عبدالله يعمل مديراً ومحاسباً في مطعم… وهذا المطعم يقع بالقرب من مدينة الملك فهد العسكرية بالدمام وغالبية زبائنه هم من العسكريين… ولهذا بادرني بسؤاله المفاجيء… “كيف أتعامل أو أتصرف مع من يأتي إلي ويصرخ في وجهي يطلب طلباً بطريقة وكأني عبد عنده أو كأني زوج أمه؟؟”…

في الحقيقة المفاجأة لم تكن من السؤال نفسه… ولكن المفاجأة كانت من أبو عبدالله نفسه!!… حيث أنني توقعت بأنه يعرف كيفية التصرف مع أغلب البشر بحكم عمله… وعندما بدأت أتحاور معه وأسأله زال الاستغراب… حيث أنه كمن يشكي همه إلي ولم يكن يطلب الحل بمعنى أنه لا يملكه… ولكن حسب ما فهمته منه بأن الموضوع زاد عن حده…

أعتقد بأن الانسان مهما بلغ حداً من الذكاء والخبرة فإن له حدود يصل إليها ولا يتجاوزها… ولكن يجب على أبو عبدالله ومن يعمل أمام الجمهور بأن لا يجعل العلاقة مع العميل علاقة شخصية… فهو وضع نفسه في مواجهة جميع أنواع البشر تقريباً فلا بد أن يوسع دائرة منظوره للأمر إلى حد يستطيع أن يصل إلى نتيجة بأن الأمر لا يخصه أبداً… بل يخص الموقع نفسه أي أن أي شخص سيجلس مكانه سيكون عرضة لنفس المشكلة…

وإذا وصل الشخص إلى هذه النتيجة فسيسهل عليه التعامل مع الجمهور… ومن أهم الأمور التي يجب عليه أن يؤمن بها هي أن العميل شخص لديه مشكلة أو حاجة ما يريد أن يحصل على حل أو سلعة يحتاجها… وأنك لا بد أن تلبي حاجته أو تحل مشكلته بما هو متوفر لديك… ومن هذا المنطلق فإن لكل عميل طريقته في توصيل الرسالة إليك… وأنت يجب أن تعي وتفهم تلك الرسالة جيداً بدون أن تفسرها بشكل خاطيء…

ومن أفضل الطرق التي يوصي بها الخبراء هي إمتصاص الغضب لدى العميل إن وجد… وبعدها تحاول أن تعرف الرسالة بشكل واضح وتطرح الحلول المناسبة لها…

ومن طرق إمتصاص غضب العميل التي مارستها ووجدت لها نتائج ممتازة هي الإبتسامة الخفيفة الغير متكلفة أو متصنعة… وأيضاً تأكيدي للعميل بأنني ما وضعت في مكاني إلا لتلبية إحتياجاته والسعي لحل مشاكله بجميع الطرق الممكنة… والإصغاء وترك العميل يتحدث بحرية كاملة وهي من أهم العوامل التي كانت تساعدني في فهم إحتياجاته وأيضاً إمتصاص غضبه الذي كان يؤثر في توصيل الرسالة الحقيقية لي…

كل هذه الأمور مهمة وتحتاج إلى ممارسة في الحياة وليس فقط في العمل… فكم من أب خسر إبنه من أجل عدم فهم الرسالة التي كان يريد إيصالها إليه… أو لم يصغي جيداً لحديثه وبالتالي بحث عن من يستوعب رسالته… فكان له إحتياجات ومشاكل لم يجد الشخص الصحيح القادر على حلها في بيته فذهب يبحث خارجه فوقع في طريق الشخص الخطأ… وأيضاً كم من بائع فشل في إنهاء صفقة جيدة لعدم وصول رسالة العميل إليه بشكل واضح… وكم من مدير فشل في إدارة منشأة بسبب الرسائل الخاطئة التي كانت تصل إليه من الموظفين بدون التحقق من صحتها…

في النهاية… أردت أن أسلط الضوء على جانب يتغاضى عنه الكثيرون ولا ينتبه إليه إلا بعد فوات الأوان… ومن أهم ما يجب أن ننتبه إليه هو أن لكل تصرف له أسباب ربما باطنها يختلف عن ظاهرها ويجب التأكد من ذلك قبل إتخاذ قرار مهم ستندم عليه إذا كان خاطئاً ربما لبقية حياتك…