الذكريات… الجميلة…

أنا لست من الناس الذين يؤرخون لأحداث حياتهم إما بالكتابة أو بالتصوير… لذلك لا أستطيع وأنا صاحب الذاكرة المتعبة أن أتذكر كثيراً من الأحداث في حياتي ولا أجد إلا اليسير الذي ما زال متعلقاً ببقايا جدران ذاكرتي المتهدمة…

قبل قليل مررت بالصدفة على بعض التدوينات القديمة والتي أرّخْت فيها لنفسي بعض الأحداث السعيدة منها وأيضاً الحزينة… وأحسست بالسعادة وأنا أتصفح تلك التدوينات وأقرأ ما دونته وأسترجع تلك اللحظات بحلوها ومرّها… لكم هو جميل أن أسجل ذكرياتي بنفسي… والأجمل تعليقات الآخرين الذين آثروا مشاركتي تلك اللحظات…

أدعو جميع المدونين إلى أن يحذو حذوي وأن يعودوا إلى الوراء ويقرؤا ما سطرت أناملهم ليسترجعوا تلك الذكريات… الجميلة…

رحمك الله يا جدي

أغمض عينيه للأبد وإنتقل إلى الدار الآخرة هكذا قدر الله على جدي الذي نسأل الله أن يغفر له ويرحمه برحمته التي وسعت كل شيء وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة وأن يسكنه جنات الفردوس الأعلى…

فقدناه بعد معاناة إمتدت لبضع سنين كان تحت رعاية عمي الشيخ/ صالح حفظه الله وهو أصغر أعمامي وهو الوحيد الذي بقى في قريتنا وتولى رعاية جدي وجدتي الذين قد تجاوزت أعمارهم المائة سنة وجزاه الله عنا خير الجزاء لرعايتهم والبر بهما…

توفي جدي الذي لا زلت أذكره وأنا صغير قوياً في جسمه قوياً في شخصيته… كانت قبيلتنا تحسب ل ألف حساب فقد كان رحمه الله لا يتوانى في الوقوف في وجه من يحاول أن يسلب منه شيئاً أو يفرض رأيه عليه بدون وجه حق رحمه الله…

ما زلت أذكر رغبتي بأن أكون مثله مؤذناً وإماماً لمسجدنا بالقرية لسنين طوال وأذكر ذلك اليوم الذي طلبت منه أن أقوم بالآذان بدلاً منه وبالفعل ترك لي الآذان وأنا في مرحلة المتوسط وبالفعل تحمست وقمت بالآذان وبعد أن أديته بشكل جميل ووصلت إلى نهايته فبدلاً من أن أقول لا إله إلا الله قلت أشهد أن لا إله إلا الله… لم يعنفني ولكن بدلاً من ذلك ضحك هو والمصلين وأعاد الآذان مرة أخرى بنفسه وأكمل الصلاة وأنا ممتلئاً بالخجل مما أحدثته…

سقى الله تلك الأيام التي أخذت فيها محاولاً أن أثبت لجدي بأنه يمكنه أن يعتمد على حفيده القادم من المدينة وهو يفتح لي المجال ويختبرني وكم كنت أغبطه على قوته رحمه الله في تسلق الشجر وقطف الثمار بسرعة وأنا أحاول أن أجاريه بتحريك السلة لإلتقاط الثمار الواحدة تلو الأخرى وقد نجحت في حينها وربما نجاحي كان بدون وساطات أو غش مما أعطاني دافعاً معنوياً لإثبات قدراتي بأنني لا أقل عن إبن القرية بشيء في أمور الزراعة وغيرها…

أذكر أنه كان دائماً يتذمر من حال أبناء عمي الذين يكبروني في السن وكنت أسأله لماذا تفعل ذلك كان يرد علي بأنه لا يعجبه حالهم وأنهم لم يحاولوا أن يتمسكوا بالعادات والتقاليد التي كان عليها أباؤهم وأجدادهم وكنت ألمح بعض التلميحات بين كلامه أنني معهم ولكني كنت صغيراً ولم أستطع وقتها الرد عليه…

عندما كنت صغيراً جداً كان عمري حوالي 3 سنوات كان لي مع أتان جدي (أتان = أنثى الحمار) موقفاً لا أحسد عليه حيث كانت الأتان مسفطة أمام باب بيت جدي القديم وكان ذيلها يتحرك بشكل لفت نظري إليه مما جعل الفضول (الذي يسري في دمي حتى الآن) يدفعني إلى مسك الذيل الذي يتحرك أمامي وهو شيء لم أره من قبل ولكن ذلك لم يكفي بل قمت بمصع الذيل والنتيجة رفسه أتت بسرعة للتخلص من الأتان لذلك الشيء الذي أزعجها فنزل الحافر على رأسي معلناً الضربة القاضية التي أسالت الدماء منه ويختم المشهد صياحي وبكائي الذي أتى بأمي الحبيبة تسعى لرؤية ما أصاب وليدها فرأته مضرجاً بدمائه فضمتني إلى صدرها وأخذتني إلى جدتي الحبيبة لتعالجني من النزيف بطمر رأسي بالقهوة العربية الأصلية والتي أكاد أقسم أنني عندما أفكر أكاد أشمها ولكن لا أدري إن كان لها دور أم لا في ذلك…

برغم أن جدي رحمه الله يعرف عنه القوة حيث حدثنا العديد من كبار السن عنه أنه قد صرع أربع أشخاص في عركة مرة واحدة في أيام شبابه إلا أنه كان إذا ابتسم أحسست أن الدنيا تبتسم لي فلا أنسى ما حييت تلك الابتسامة التي جعلتني يوماً أحس بأنها لي وحدي أنا…

كنت أراه يعصب من شيء قمت به لم يعجبه أبتسم له كما كنت أرى أبي يفعل ذلك معه فكنت أرى ابتسامتي لها وقعها الطيب على قلبه فيضمني ويقبلني وأنا فرحُ جداً بذلك وأحس أنني قد عملت شيئاً جميلاً لكي يحبني ويقبلني…

لن أنساك يا جدي ما حييت كما لم أنساك من قبل وكنت السبب في محاولاتي لإظهار أفضل ما فيني فأسأل الله أن يرحمك ويغفر لك ما تقدم من ذنبك وأن يدخلك جنات الفردوس الأعلى… آمين…

حدث في الطائف!!

(1)

ليست من عادتي أن أحاول أن أتعرف على الأشخاص الغرباء في أي مكان… ولكن يبدو أنني هذه المرة وجدتها فرصة أن أستكشف أحدهم وأنا أجلب طعام الغداء من “كودو”…

حيث صادفت أحدهم وهو يسارع بطلب وجبة عائلية بشكل مستعجل… ولم أقم بمحاولة بدء الحديث معه… ولكنه بادرني بكلامه مخاطباً لي بأن مطعم “كودو” هو أنظف مطعم في الطائف!!… وقال لي بأنه من سكان جدة ولكنه يأتي كل نهاية أسبوع إلى الطائف لكي ينعم بالجو اللطيف…

لم أجد صعوبةً في معرفة أصله حيث أنه بدى لي بأنه ينتمي لنفس قبيلتي فسحنته واضحة جداً… فسألته إن كان هو من قبيلة غامد فأجابني بنعم… وسألني من أين أنا فقلت له أنا من سكان الدمام… فعاجلني بالمفاجئة فقال أنه مدرس وقد قام بالتدريس لمدة سنة في مدرسة فلسطين الإبتدائية بالدمام منذ 14 سنة!!… المفاجأة أن هذه المدرسة هي نفس المدرسة التي درست فيها المرحلة الإبتدائية بالكامل :mrgreen: … سبحان الله!!

طبعاً الرجل يكنى بأبي بدر حيث لم يتوقف عند ذلك بل أضاف بأن أخيه الكبير رئيس قسم في أحد المجمعات الطبية العسكرية بالشرقية… وسألني عن ما إذا أردت منه شيئاً… فسألته عن أحد الأماكن التي تبيع الكاميرات الرقمية فأرشدني إلى إكسترا في مجمع العبيكان التجاري… وبعد ذلك أعطاني رقمه مشكوراً لأتصل به في حال إحتجت أي مساعدة في مدينة الطائف أو حتى لدى أخيه…

من النادر أن تجد أناس لا تعرفهم ويقومون بعرض خدماتهم عليك بدون مقابل…


(2)

حصل موقف طريف هذه الليلة… حيث قد قمت بأخذ زوجتي للتنزه وعندما أردت تعبئة السيارة بالوقود ذهبت إلى التموينات وأردت شراء لبن المراعي فلم أجد وبحثت عن لبن نادك فلم أجده أيضاً… فبادرت بسؤال المحاسب السعودي وهو رجل كبير في السن… فعرض علي لبن مخيض من ألبان الطائف… فأخذت لي ولزوجتي وذهبت… وبعد أقل من نصف ساعة بدأ مفعول اللبن على زوجتي أولاً فطلبت مني العودة للسكن… فسألتها مستفسراً عن السبب فقالت بأنه يوجد ملاهي في بطنها :mrgreen:

فسارعت بالتوجه إلى السكن بعد أن كدت أطير بالسيارة… ولما وصلنا بدأت الملاهي ببطني أنا أيضاً :mrgreen: … فكنا نتراكض إلى دورة المياه أجلكم الله… فسبقتني بحكم أن الملاهي لم تبدأ عندي إلا متأخراً :mrgreen: وجلست أنتظر على أمل أن تنهي طرد القائمين على تلك الملاهي وأحسست وقتها بأنني لن أستطيع طردهم إلا بعمل بلاغ ضد وزارة المياه والصرف الصحي :mrgreen:

ولكن الحمد لله أن القائمين على الملاهي تفهموا الوضع جيداً ولم يعملوا أي شوشرة :mrgreen:

الخلاصة… إنتبهوا من لبن المخيض وكونوا قريبين من دورة المياه في حال لم تستطيعوا البعد عنه :mrgreen: