حكمة الشايب

بقلم: محمد عبد الله المنصور محمد عبد الله المنصور

وضعت أمتعتي في غرفة الفندق الأوروبي وأرتديت ملابسي الرياضية ثم توجهت الى النادي الصحي لأجري بعض التمارين. كان بجانبي نزيل أوروبي أو ربما أمريكي يكبرني بالسن بل كان عجوزاً بالنسبة لي . تجاذبنا بعض الأحاديث ووجدنا العديد من الاهتمامات المشتركة فكان الحوار ممتعاً . قبل أن أنصرف دعاني لمرافقته في رحلة بحرية في الغد فاعتذرت لإرتباطي بمواعيد العمل التي جئت من أجلها.

اقترح علي أن نتناول العشاء سوياً في مطعم متميز لكنني كنت مرتبطاً كذلك بعشاء عمل لاستغل الأيام الثلاثة التي سأمضيها في إنهاء كافة أعمالي.

كنت أصادفه أحيانا خلال دخولي أو خروجي من الفندق فأرى منه إبتسامة ذات مغزى لكني لم أعلم مايقصد بها؟ في آخر يوم لي وأنا أنهي إجراءات المغادرة لمحته يجلس في صالة الفندق ويشير إلي. إتجهت إليه فدعاني الى شرب كوب من الشاي ، وكان لدي متسع من الوقت فلبيت طلبه وبادرته : ماسر الإبتسامة التي تواجهني بها كلما تلاقينا؟..

تبسم وقال: انني كلما رأيتك تذكرت نفسي حينما كنت شاباً ، فقد أمضيت أجمل وأغلى سنوات عمري في تنمية أعمالي التجارية كما تفعل أنت الآن ، وبعد أن كبرت وانتهيت الى ماترى وجدت أنني فقدت الكثير مما لا يمكن تعويضه وخرجت بدرس ثمين يمكنك أن تسميه (حكمة الشايب). كان الأمر مشوقا لي فبادرته قائلاً : وماهذه الحكمة؟ فإجاب: إن الرجل يمر في حياته بثلاث مراحل ويحتاج الى أن يملك ثلاثة أشياء. ففي الشباب يكون لديك الوقت لقلة انشغالك ولديك النشاط والقوة لتستمتع ولكن ليس لديك المال الكافي لتسافر وتشتري السيارة والمنزل الذي تتمناه و ترفه عن نفسك بعيش رغيد. ثم إنك تنتقل إلى مرحلة الرجولة فتزاول العمل والتجارة وتبدأ بجمع المال لتؤمن مستقبلاً أفضل لك ولأسرتك ، حينها يكون لديك المال ولديك النشاط والقوة ولكن ليس لديك الوقت لتستمتع وترفه عن نفسك وأسرتك فأنت مشغول بأعمالك وسفرياتك وتجد أنك تضحي بأشياء كثيرة من أجل (ضمان المستقبل). وفي المرحلة الثالثة حين تكبر سنك تكون قد جمعت المال الذي تريد ولديك الوقت لتستمتع به وتحقق ماكنت تحلم به ولكن .. ستجد أنك قد فقدت الصحة والنشاط الذي كنت تتمتع بهما أيام الشباب ، فلم يعد لديك الجهد للسفر ولا تجد نفس المتعة في شراء سيارة فخمة أو منزل كبير ! وتبحث عن أبنائك وبناتك لتستمتع معهم في رحلات وجلسات وزيارات فتجدهم قد كبروا ولم يعد يهمهم أن يشاركوك في مثل هذه الأنشطة فقد صار لكل منهم اهتماماته وعالمه ! بل وقد لا تجد زملاء تلتقي بهم لأنك قد قطعتهم حين إنشغلت بأعمالك التجارية . ستجد أن هذا المال لن يعيد لك تلك الأيام التي كان أبناؤك يتمنون أن تمضي معهم ولو ساعة واحدة أو أن تذهب بهم الى رحلة او سفر الى بلد قريب ! ستجد أن المال لن يعيد لك صحتك بعد أن داهمك الضغط والسكري فلم تعد ذاك اليافع القوي !! لذا استنتجت من تجربتي في الحياة ، وهو ما أوصيك به ، أن بضعة الاف من الريالات وانت في شبابك تستمتع بها مع أبنائك وزوجك وتقنع بما لديك خير لك من مئات الآلاف بل والملايين حينما تكون كهلاَ مثلي!

قرأت هذه القصة في عامود الكاتب المعروف داوود الشريان في صحيفة الحياة منذ عدة سنوات وهو يرويها عن زميل له ، ولكنها بقيت راسخة في ذاكرتي استرجعها كلما شاهدت أولئك الذين يلهثون خلف الدنيا من أجل المال بشكل مبالغ فيه ، هم لم يكتفوا بتضييع أجمل أوقاتهم و ذروة نشاطهم بل أهملوا أسرهم ونسوا اقرباءهم وقصروا في واجباتهم. ومنهم من غامر بمستقبل أسرته فباع بيته وعقاره ومدخراته واستدان من البنوك من أجل مغامرات تجارية قد تنتهي به مديونا مدى الحياة ، هذا إن سلم من السجن . بيد أن الطامة الكبرى هي أن يكون الإندفاع وراء المال والطمع فيه سببا في إهمال العبادات والوقوع في معاملات محرمة ، حينها سيخسرون كل شيء ولن يعرفوا ذلك الا بعد فوات الأوان ، والسعيد من اتعظ بغيره ! فإن خسرت مالا او صفقة فتذكر دوما أنها وسيلة وليست غاية!

فضيحة البريد.. وضرورة محاسبة المتسبب

بقلم: حمد الباهلي

حمد الباهلي

نعم فضيحة.. ولست الوحيد الذي يقولها وبالفم المليان ان تبعثر الملايين من المال العام في الشوارع دون ضابط او رابط ويسمى ذلك خطأ او تسرعا بينما تقتطع هذه الملايين المهدرة من قوت الناس فليس ذلك غير معالجة الفضيحة بمنطق يقود الى استفحالها كيف يمكن لادارة حكومية مسئولة وهي هنا مؤسسة البريد السعودي ان تشتري بملايين الريالات صناديق بريد تم توزيعها (بالجملة) على البنايات والمنازل دون ان يكون هناك اي شكل من اشكال العقد حول ثمنها وكيفية استخدامها فضلا عن مقدار رسومها والرغبة بامتلاكها لأن الخدمة (امتلاك صندوق بريد) هي خدمة اختيارية إجراء رسمي كهذا وبهذا القدر من الاستخفاف من إدارة حكومية هو إجراء لا يتسم بالمسئولية لا أمام الله ولا أمام الحكومة ولا أمام الناس وفيما يخص الناس اصحاب العلاقة المباشرة بهذه الخدمة تشير التوقعات الى انهم لن يستخدموا هذه الصناديق إلا في الحالات القصوى التي تصل الى درجة الاجبار وبما ان الملايين بعثرت فآخر العلاج كما يقال هو الكي حتى لا يجري التعاقد على دفعات جديدة من الصناديق لجميع مدن وقرى المملكة فلا بد من تجميد مشروع تطوير البريد الذي أصبح مشروعا سيىء الصيت.

لقد نامت إدارات البريد المتوارثة عشرات السنين بالرغم من موجات التحديث التي مرت بها بلادنا ولم تحرك ساكنا بالرغم من كل شواهد التخلف التي وصلت الى ان يصبح موضوع توقيت وصول الرسائل وضياع العديد منها مجالا مفضلا للتندر على لسان الجميع ولا أظن مسئولي هذه الادارات الحاليين بحاجة لاستعراض ملفات انجازاتهم وحتى لا يفهمنا احد بالانحياز وراء رغبات او مصالح شخصية سنتطرق الى بعض مظاهر وتجليات هذه الفضيحة.

اولا: موضوع اعتماد الصناديق وشراؤها وتوزيعها بدون الرجوع لصاحب المصلحة اصحاب الصناديق المفترضين وهذا الموضوع جرى الحديث عنه.
ثانيا: لتعويض هذه الملايين المهدرة تفتق ذهن المسئول او المسئولين عن فكرة غير بعيدة عن السطو على جيوب الناس من خلال الرسوم الجديدة التي تفوق رسوم احد احدث بريد في العام وهو بريد دبي:

أ: في دبي هناك صندوقان فقط:

شخصي بحولي 300 درهم

تجاري بحوالي 600 درهم

وليس هناك شروط مالية عند تداخل الاستعمال.

ب: في شروط العقد الجديد للصناديق البريدية لدينا اربعة انواع من الصناديق (فردي – عائلي – مؤسسة – شركة) والعقد والقصد واضح كلما تعددت الانواع وشروط استخدام كل نوع كلما زاد عدد المشتركين والرسوم كما يلي:

فرد 100 ريال سنويا

عائلي 300 ريال سنويا (لا يوجد له مثيل في العالم)

مؤسسة فردية 1000 ريال سنويا (لا يوجد له مثيل في العالم)

شركة 3000 ريال سنويا (اسمة تجاري/ شركات)

هذا يعني انه في دبي سيدفع الفرد حتى ولو كان يمارس نشاطا تجاريا مبلغا واحدا وهو 300 درهم اما الشركة فستدفع 600 درهم.

قد يقول قائل لماذا لا يكتفي الفرد باقتناء صندوق بريد واحد؟ والجواب: لأن عبقرية مصممي برنامج البريد السعودي انجزت شروطا بلهاء لا تسمح بذلك فالصندوق الفردي مسموح باستخدامه لصاحبه فقط وعليه فلا بد ان يكون لديه صندوق عائلي مسجل في عقدة عشرة اشخاص من أفراد العائلة هم الوحيدون المسموح بورود رسائل لهم عليه اما إذا جاءت رسالة لغير هؤلاء العشرة فستعود لمصدرها ولأن لدى الفرد بعض الاعمال التجارية الفردية فعليه الاشتراك في صندوق ثالث لا يصح ان يستخدم الا للأعمال التجارية أبعد هذه الشروط يمكن القول بعدم استخفاف هؤلاء المسئولين بعقول الناس؟ الحكومة الرشيدة تعاقب غير الراشدين ممن يعملون في إحدى إدارتها وهذا اصعب الإيمان لست في موقع غير موقع الغيور والناصح لكن المهزلة تقتضي الطلب الفوري في المواقع العليا للمسئولية لدراسة اسباب هذه الفضيحة وإيقاف المتسببين بها عن العمل وإعادة دراسة خطة التطوير على أيدي أناس أمناء على العلم وعلى المسئولية التي انتمنتهم الدولة على ما يقع في نطاق عملهم من مال وعمل وعلى مستوى العقلية الإدارية التي صممت شروط استخدام الصندوق يكفي ان نقرأ المادة 6 من هذه الشروط والتي تقول: لا يحق الا لأفراد عائلة المشترك في الصندوق العائلي وفي حدود عشرة افراد والمبينة أسماؤهم وأرقام هوياتهم أدناه استخدام هذا الصندوق ولمؤسسة البريد الحق في إعادة أي رسائل اخرى الى مصدرها!!

هذا يعني ضرورة توظيف جيش من الموظفين لتعبئة النماذج والعذر الوحيد ان يكون هؤلاء المخططون قد فكروا بعمل المرآة.

الامر الثاني ان احد افراد العائلة غير المسجل في القائمة لن يستلم رسائل تصل الى صندوق والده أو والدته أو قريبه صاحب الصندوق أما عن محتويات الرسائل والطرود وكيفية العثورعلى انطباق محتوياتها على المسموح والمحظور بين العائلي والمؤسسة والشركة ومن ثم التأكد من ان هذا الطرد او الرسالة تقع في نطاق المؤسسة الفردية او الشركة فتلك فرص وظيفية هائلة لممارسة التخلف.

كم اتمنى ويتمنى الكثيرون ان يكون فهمي وفهمهم قاصرا على حل طلاسم شروط اقتناء الصناديق البريدية وإذا كانت ميزانية التطور كريمة الي هذا الحد فلتباشر الادارة باعتماد مبالغ اضافية قد تصل الى الملايين لشرح شروط اقتناء صندوق بريد وإذا كان ذلك صعبا نظرا للمصاريف الهائلة التي صرفت حتى الان فليترك المسئول اوالمسئولون عن هذا المشروع أماكنهم لأناس اخرين يوضحون للناس ملابسات ماذا حدث.