قنوات وهوية ضائعة…

د. فؤاد محمد السني
بقلم: د. فؤاد محمد السني

يمكن لنا أن نصف عالمنا الثالث هذا، وخليجنا تحديدا بأننا شعوب أدمنت الاستهلاك. بل أعتقد أننا من أسوأ المستخدمين لما تفرزه معطيات التقنية والتطور العلمي الحديث. لا يقتصر هذا الأمر على مجال دون آخر، بل يكاد يشمل كل ما تتناوله أيدينا من على أرفف وأرضيات صالات العرض.

فالسيارة حدث عنها ولا تتردد، وكذا عن الهاتف، و الحاسب و التلفاز وغيرها مما يخطر على بال أحدنا. سوء استخدامنا لتلك المعطيات يمكن له أن يدرج في خانتين: الأولى عدم الاستخدام الصحيح لما تقدمه هذه السلعة أو تلك، والثانية عدم الاستغلال الأمثل لكل ما تتيحه هذه السلعة. ويمكن لأي منا أن يتفحص بعض ما بين يديه ليعرف المقصود، فالسيارة للتنقل لكن راقب الشارع لترى كيف تستخدم السيارة من قبل الكثيرين، وإن استخدمناها للتنقل فراقب كيف نتنقل بها. وأيضا، في السيارة، كم من المواصفات التي نطلبها ونصر على وجودها، وإذا هي تبقى دون استخدام لسنوات طوال. وقس على ذلك الهاتف، و الحاسب، و البرمجيات، و التلفاز وغيرها. أما التلفاز فبحر الحديث عنه لا ينتهي، فليكن حديثنا في احد جوانبه. يمكن لنا التعرف على كيف نسيء استخدامنا للتلفاز ، مشاهدين وملاكا للقنوات و منتجين و ممثلين، باستعراض ما يبث على القنوات.

على إيقاع ما تبثه القنوات الفضائية من غث وسمين في ساعات الليل و النهار، يقضي الكثير منا العديد من الساعات. فيلم مصري هنا، وآخر سوري، وثالث من هوليود، ، ورابع من الهند، وذاك أسباني مدبلج. أضف لذلك، مسلسلات من كل مكان، وتمثيلية أو مسرحية هناك. وتواصل تغيير المحطات لتصل الى أغنية أومقطع مصور، أو مشهد راقص فيما تمر عليه من قنوات. تستمر في التنقل بين محتوى صندوق الاستقبال العجيب لتشهد أعجب من هذا العجيب. قنوات كل ما تعرضه لمشاهديها رسائل مرسلة من مشاهديها، ولقطات غنائية ليس بينها ما يربط الا هدف الايقاع بمن يشاهد تلك القناة. واستمر في التنقل، لترى اعلانات من كل نوع وقبل أن تقفز إلى خلاصة غير مكتملة، تنقل لتشاهد بعض مسلسلات خليجية فتتحرك الرغبة بالقول إن هنا أفضل ما يمر لان خليجيتها تحتم أن تكون فيها المحافظة على ما توارثته الأجيال من قيم، وتقدم ما يختزنه مجتمع الخليج من تراث إنساني يحترمه كل من يحترم إنسانيته. لتفاجأ بأن أمامك مشاهد أقل ما يقال عنها، انها دخيلة على هذا المجتمع وتحمل كثيرا من المعاني و الرسائل غير المتناسقة مع ما يؤمن به هذا المجتمع. بل إن بعض تلك المادة الفنية المنتجة خليجيا تختزن الكثير من الرسائل لها أثر ، على مجتمع الخليج، أكثر عمقا وأشد فتكا من غيره من مادة فنية تنتج خارجه.

فخليجيته تجعل علاقة المشاهد معه أكثر قربا، مما يدفع لأن يجعل منه مادة مقبولة بين الخليجيين. فما يصدر من تلك المحجبة أو ذاك الوقور لابد وأن يشكل مبررا لأن يقبله المتلقي، خصوصا إذا ما اقترن ذلك مع تعلق البعض من المشاهدين ببعض تلك الأسماء ليروا فيهم نماذج يحتذي بملبسهم أو بطريقة حديثهم، أوبسلوكهم . فما يصدر من هذا الممثل أو تلك الممثلة، بشكل مباشر أو على شكل سلوك، يمكن له أن يقبل في المحيط العائلي أو الاجتماعي لهذا المتلقي. كل ذلك يجري تطبيع قبوله في نفس المشاهد حتى وان كانت تلك التصرفات لا تتماشى مع قيم ومباديء هذا المجتمع الخليجي. وسبب أن تكون هذه أكثر أثرا، أنها تصدر من نفس البيئة، فليس أثر كبير لتلك التي تبشر برسائل من أي نوع وبأي شكل كان في مادة فنية مصدرها الأجنبي، لكن أن تظهر مادة فنية خليجية تبشر بما لا يتماشى مع المقبول، وبشكل يظهر أنه مقبول، يجعل منه بعد شيء من الوقت مقبولا. ويمكن تعميم ذلك ليشمل اللبس و الحديث و السلوك، وكل تصرف ينظر له هناك أنه مقبول اجتماعيا و عائليا و قانونا، بينما هو غير كذلك لدينا. من هنا فإن بعض ما يرسله المنتج الفني الخليجي، يفوق في تصوري أثرا على المجتمع مما ينتج في غيرها من دول، بالرغم من أن النتاج الخليجي يظهر وكأنه أكثر محافظة من تلك التي تصدر من النتاج غير الخليجي .

أسوة بكثير من المواضع التي فقدت نكهة الخليج منها، ضاعت نكهة الخليج من كثير من النتاج الفني فيه. فلا الاغنية باتت خليجية كما كانت، ولا المسرحية باتت مسرحية خليجية، ولا المسلسلات بقت على خليجيتها. بل على العكس، ترى في كثير منها أنه وبحجب ما يدل على خليجية المنتج هذا كلهجة المتحدثين، وبعض ما يلبسه المتحدثون، هوية ضائعة أقرب للغريب منها للخليج.

تلك زاوية من زوايا اهدارنا لما نستهلك، ولكن الشواهد كثيرة. فلم اتناول الحديث عن البرامج الأخرى التي يبثها التلفاز في برامجه الاخبارية، و السياسية، و الحوارية و الدينية، و العلمية والثقافية والاقتصادية وغيرها من برامج. لكن المشترك بين كلها أنها دون ما يمكن لدول وشعوب تطمح للرقي بمستواها الحضاري أن تقدم على شاشات قنواتها.

المصدر: اليوم الإليكتروني

6 آراء على “قنوات وهوية ضائعة…”

  1. أبو جوري…

    هو درسني مادة (SE-301) ووقف معي وقفة ما أنساها طول عمري… وهو شخصية ذكية وأيضاً تهمه مصلحة المجتمع ومن حوله…

    تحياتي؛؛؛

  2. ستاذي الكريم.أبو سعد ..أتمنى أن تكون بخير

    يسعدني ويشرفّني التعليق في مدونتك العامرة الراّقية ..

    هذه هي المرة الأولى التي ازور فيها مدونتك الرائعة، مع احترامي للجميع وتقديري لجهودهم في كتابة المعلومة المفيدة الا ان حبي لك ولامثالك من الشباب السعودي الواعي المثقّف يزيد يوما بعد يوم، انا اقدر تلك الكلمات الهادفة والملفتة التي عنونت بها موضوعك وكلما استمريت في القراءة دعوت الله ان يوفقك ويسدد خطاك،

    بالنسبة للفضائيات فحدّث ولا حرج قبل كنّأ نرى العربية فنتأسّف لعرضها وعندما نرى ذلك في فضائياتنا الخليجية فهنا فعلا نصمت ونخرس ممّا نحن فيه للاسف الشديد ..

    لهذه الدرجة وصلنا للإنحطاط بعرض هذه المسلسلات والبرامج المستهلكة ..

    أتساءل أحيانا لماذ ا لم تعرض فضائياتنا العربية مسلسلات من تراثنا القديم حيث تجد فيها حياة الشدّة والقوة والصلابة التي كان يتمتّعون بها أجدادنا ..

    عموما أتمنى من الإعلام العربي التركيز على المشاهدة التوعيوية التي تمنّي روح شبابنا بإختيارهم المواد المفيدة والبعد عن المواد المخلّة بالآداب والعري والفساد الأخلاقي. حتّى لا نكون نسخة تقيليدية لأفكار الغرب القذرة بنشرهم الرذيلة عبر فضائياتهم ..

    انت الآن من المفضلين لدي ارجو الاستمرار بارك الله فيك ..

    وتستحق مدونتك أن تنير مفضّلتي ..

    تحياتي وتقديري.صفية

  3. الأخت الكريمة صفية قرشي…

    أتشرف بكلماتك التي سطرتيها في العبد لله… وأتمنى من الله عز وجل أن أكون عند حسن ظنك بي…

    وأتمنى من الله أن يرجعك سالمة غانمة من الغربة وأن تكوني بين أهلك وإخوانك في بلاد الحرمين… وأن يجعلك من الذين يساهمون في بناء مستقبلٍ مشرقٍ لهذه البلاد بإذنه تعالى…

    تحياتي؛؛؛

  4. تحية حب لصاحب المدونة . أبو سعد

    وتحية حب أخرى لدكتوري المفضل .. مرشدي الطلابي الدكتور فؤاد

    سعدت بقراءة كتاباته … وسعدت أكثر بخبر توليه رئاسة قسم هندسة النظم

    بالتوفيق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *