الحكم على صدام .. من الضاحك ومن الباكي؟!

بقلم: سامح طه

وسط تشكيك واسع بشرعية المحاكمة والتي استمرت على مدار عام والتي صرح أول قاض ترأس الهيئة القضائية لتلك المحاكمة وهو محمد رزكار أمين بأنها غير حيادية، وبأنها مسرحية سياسية، لا شرعية لها، واستقال من رئاسة المحكمة بعد سابع جلسة احتجاجا على تدخل الحكومة في عمله.

انقسم المحيطون بتلك المحاكمة إلى صنفين صنف باك وآخر ضاحك ملئ فيه:

فهيئة الدفاع عن الرئيس الصادر بحقه الحكم كانت من هؤلاء الباكين؛ لأن حصاد عام مرير أتى بما لا يوازي الجهد ودماء زملاء الدرب، فقد تعرض المحامي سعدون الجنابي للاختطاف من مكتبه على يد مجموعة مسلحة عقب بدء جلسات المحاكمة في 19 أكتوبر عام 2005، واكتشفت جثته في اليوم التالي وقد اخترقت رصاصتان رأسه.

وعقب ثلاثة أسابيع تقريباً، تعرض نظيره عادل الزبيدي إلى الاغتيال في وضح النهار في العاصمة بغداد، ثم عثرت قوات الأمن العراقية على جثة خميس العبيدي، وهو أحد أفراد طاقم الدفاع عن صدام حسين، وقد مزقها الرصاص، كما تعرض وزير العدل القطري السابق نجيب النعيمي للشتم والتهديد بالقتل وهو يغادر قاعة الوصول في مطار بغداد برفقة جنود أمريكيين.

وقد طالب طاقم الدفاع عن صدام ومعاونيه السبعة من السلطات العراقية تشديد الحراسة الأمنية أو نقل المحاكمة إلى مكان آخر يمكن من خلاله تحقيق الأمن لطاقم الدفاع خاصة وأن أصابع الاتهام كانت تشير وبوضوح إلى أن الطائفة الشيعية بالعراق تقف وراء تلك الجرائم لبث الرعب في قلوب المدافعين عن صدام فيتركوا الأمر، وقد هدد طاقم الدفاع بمقاطعة المحاكمة حال فشل الحكومة في توفير ذلك.

ولقد تباكى هذا الطاقم أيضا لغياب العدل والحيادية من خلال عدم السماح لهم بتقديم دفاعاتهم عن المتهمين، حيث ذكر المحامي نجيب النعيمي أن القاضي كان يعد بإعطاء الفرصة كاملة لتقديم الدفاع الكافي، ولكن عندما جاءت الفرصة لم يسمحوا لنا بالحديث.

وقد أكد فريق الدفاع أن الحكم الصادر من محكمة يرعاها الاحتلال الأمريكي هي “مهزلة للعدالة”. واعتبر وزير العدل الأمريكي السابق “رامزي كلارك” ـ الذي يرأس فريق المحامين الأجانب للدفاع عن صدام ـ أن المحاكمة متأثرة بضغوط سياسية.

ولكن بكاء هيئة الدفاع عن صدام كان بكاء من جهة أخرى على حالة اللاوعي التي أصابت الواقفين وراء الكواليس ويحركون المحاكمة فقد حذر رئيس فريق الدفاع عن الرئيس العراقي، المحامي خليل الدليمي الرئيس الأمريكي جورج بوش في رسالة له أنه إذا وجد صدام حسين مذنباً في قضية الدجيل، فإن العراق والمنطقة سيسيران للمجهووول..

نعم تباكى المدافعون عن صدام لكل هذا ولكنهم لن يقفوا صامتين بل سيحاولون الاستئناف وإثبات أن المحاكمة كانت غير عادلة وأن هناك من نجح في تسيسها حيث لم يسمح لصدام حسين بالترافع عن نفسه ولا حتى لمحاميه، فضلا عن تواجد ضباط الاحتلال الأمريكي داخل قاعة المحكمة بصورة تهين الشخص المحاكم كما تمثل عنصر ضغط على محاميي الدفاع فهل سينجحون أم ستصادر كلمتهم كما صودرت أول مرة.

في نفس الوقت يقف جمع غفير آخر يبكي، شعب العراق الذي يدعي من حاكموا صدام بأنهم يأخذون بحقه ويعطونه العدل الذي افتقده، فقد عبر الشعب عن سخطه بالتظاهر فقد اندلعت التظاهرات في مسقط رأس الرئيس العراقي بالعوجة بالقرب من تكريت شمال بغداد؛ وقام الأهالي بالتجمع بأعداد كبيرة بين الأزقة والشوارع ليطلقوا نيران الحزن ولتسمع دوي انفجارات تهز المدينة، احتجاجًا على توقيع هذه العقوبة بحق صدام.

وفي تكريت سقطت المدينة في يد المتظاهرين الذين وصل عددهم إلى أكثر من عشرة آلاف خرجوا للاحتجاج حيث استولوا على مركزين للشرطة ومركزا للبلدية.

وفي شوارع الحبانية ندد المتظاهرون بالحكم فحملوا الأسلحة وأطلقوا النار على قوات الشرطة التي حاولت تفريقهم مما أدى إلى مصرع أربعة من رجال الشرطة مما اضطرهم لاستخدام المروحيات التي لا زالت تحلق فوق منطقة التظاهرات.

وكانت هناك تظاهرات مماثلة قد خرجت في منطقة العوجة والدور وهم يحملون صور صدام, ويهتفون بشعارات مؤيده له.

وخرجت تظاهرات في مدينة “عنة” فجابت طرق وشوارع المدينة للتعبير عن رفض الحكم وتوجهت في مسيرة غاضبة إلى المقر المشترك لقوات الاحتلال الأمريكية والقوات العراقية رغم التحذيرات بعدم الاقتراب من هذا المقر، وهو ما يوحي بمدى الغضب الجماهيري على الحكم.

وجرت مواجهات أخرى عنيفة بين قوات الاحتلال الأمريكية وأهالي الأعظمية ببغداد.

وربما كان تظاهر هذه الجماهير للشعور بالمهانة الكبرى نتيجة هذه المحاكمة الهزلية والتي وصفها الناس بمسرحية القرن ، والتي خلت من أي صورة من صور العدل التي ادعاها الواقفون خلف الأستار ليحركوا هيئة القضاء.

وربما كان بكاء الجماهير للشعور بالغيرة على حقهم في أن يقولوا كلمتهم في رئيسهم المخلوع والذي كان ينبغي أن يحاكم على أيديهم لا أيدي هؤلاء الدخلاء ، مع الشعور أيضا بالذل والمهانة نتيجة رخص الدم والعقل العربي الذي لم يعد يساوي أكثر من حفنة أصوات يتلاعب بها مجموعة من سفاكي الدماء ومرتكبي جرائم الحرب.

أما حزب البعث العربي الاشتراكي فقد أراد العودة للأضواء خاصة وأن المد الشعبي سيكون إلى جواره فوقف مع الباكين وأصدر بياناً وزع في بعض مناطق بغداد ملخصه استنكار الحكم الصادر عما أسماه محكمة الكفر الأمريكية الإيرانيه وأن الحزب يحي صمود صدام ويعاهده على إكمال المسيرة وفقا للأسس الوطنية والقومية التي كان عليها.

على الجانب الآخر –جانب الضاحكين- رحبت الحكومة البريطانية بالحكم الصادر حيث قالت وزيرة خارجية بريطانيا مارجريت بيكيت: “أرحب بالأحكام التي صدرت اليوم، وأعتقد أن العدالة تحققت وأن هؤلاء الأشخاص حوسبوا على جرائمهم”.

وفي محاولة للقفز على الجرائم البشعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في العراق منذ وقع الغزو وحتى اللحظة، أضافت الوزيرة: “هناك جرائم مروعة ارتكبت من قبل نظام صدام حسين، وكان لابد من أن تتحقق العدالة للشعب العراقي بعد الجرائم التي ارتكبت بحقه”.
وأعربت إيران ـ العدو اللدود لصدام ـ عن ترحيبها بقرار الإعدام من خلال بيان صحفي للسفير الإيراني في العراق “حسن كاظمي قمي” بين فيه الترحيب الإيراني بقرار الإعدام.

وأضاف السفير أن طهران “تهنئ الشعبين العراقي والإيراني بهذا القرار العادل لشخص أجرم بحق الشعبين العراقي والإيراني”.

وشهدت مدينة الصدر معقل جيش المهدي الصفوي احتفالات وإطلاق أعيرة نارية ابتهاجًا بحكم الإعدام حيث خرق الصفويون حظر التجوال وخرجوا إلى الشوارع محتفلين ورافعين صورًا للسيستاني والصدر.

وأخيرا –بل أولا- أمريكا ممثلة في حكومة بوش الابن والتي عجلت صدور الحكم رغبة في كسب الشارع الأمريكي عشية انتخابات الكونجرس خاصة بعد تدني شعبيتها ووقوفها بمظهر غير مرضي أمام الناخب الأمريكي، نتيجة وضعها الضعيف في العراق وأفغانستان، والتي تظن أن إعدام رجل بوزن صدام ربما ثقل ميزان شعبيتها وألحق بها شيء من الفخر وسط دوامة الخزي التي أدركتها، فهل ستنال أمريكا بوش ما رنت إليه أم ستمثل محاكمة ضصدام والحكم بإعدامه سقوطا مروعا على الصعيد السياسي والأخلاقي لها.

المصدر: مفكرة الإسلام

رأي واحد على “الحكم على صدام .. من الضاحك ومن الباكي؟!”

  1. مقال ممتاز و مهم.. المؤسف هو تجاهل البعض لما وراء الحكم و البيئة التي نشأ فيها, ففرحوا بالحكم الذي صدر على صدام حسين فهو مجرم قتل شعبه و شعوب آخرى في المنطقة (كالكويت) إذا يستحق هذا الجزاء, ضربوا بعرض الحائط الطبخات التي طبخت خلف الكواليس, و اغمضوا أعينهم عن حقائق واضحة, و تناسوا أن المحاكمة برمتها غير شرعية كونها تخضع لتدخلات داخلية و خارجية… البلد مازال محتلا, الوضع المعيشي سيء, آثار تسرق و علماء يقتلوا, شعب يباد و نفط يهرب, و الحكومة الخائنة و الاحتلال لا يفعلون شيئا فهل بعد ذلك نثق في محاكمة يظلها الاحتلال؟
    فرح الشعب العربي بالحكم الذي صدر على صدام يعد نجاحا للأعداء, فاستطاعوا باستغلال عواطفهم تضليلهم و خداعهم.. و يا اسفاه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *