أفغنة الصومال .. سيناريو أمريكي لضرب الحركة الإسلامية

بقلم/ جمال الدرواني

على مر التاريخ، اشتهرت بلاد بونت ‘الصومال’ باعتبارها المصدر الأساسي للبخور الذي كانت تمخر من أجله عشرات السفن عباب البحر الأحمر لجلب الطيب والنفيس منه، غير أنه وبمرور الأيام وبعد أن دارت عجلة التاريخ دورتها، غابت رائحة البخور، لتفوح بدلا منها رائحة الجثث المتحللة في شوارع مقديشيو بفعل القتال الذي ظهر مجددا على الساحة الصومالية الممزقة، بين قوات المحاكم الإسلامية وميلشيا أمرا الحرب المعرفة باسم ‘التحالف من أجل إعادة السلام ومحاربة الإرهاب’.

القتال الأخير تسهل قراءته في سياق الحرب الأهلية التي مزقت البلاد خلال الـ 15 سنة الأخيرة بعد الإطاحة بنظام ‘سياد بري’ في عام 1991. غير أن نظرة بسيطة في تفاصيل الحرب تظهر أصابع الشيطان الأمريكي الذي أعاد من جديد شبح القاعدة وطالبان وألبسه على المشهد الصومالي في خطوة تهدف إلى تفجير الوضع في البلاد بما يمهد لأفغنة الصومال، ومنع قيام دولة إسلامية هناك على غرار ما حدث مع حركة طالبان.

المحاكم الإسلامية وشبح طالبان

المشهد الصومال يكاد يقترب إلى حد كبير من سابقه في أفغانستان خاصة الفترة التي مهدت لظهور حركة طالبان، من حيث انعدام الأمن، وفرار أعداد غفيرة من سكان العاصمة مقديشيو من منازلهم فضلا عن انتشار ظاهرة قطاع الطرق الذين يقيمون نقاط تفتيش على الشوارع الرئيسية لابتزاز العابرين، فيما اختفت المستشفيات العامة، وتحول المطار الوحيد في البلاد إلى مرعى للإبل.

هذا المشهد الفوضوي الذي يماثل نظيره في أفغانستان قبل مجيء طالبان، مهد السبيل أمام ما يعرف باسم المحاكم الإسلامية التي خرجت إلى النور في عام 1991 بعد انهيار نظام سياد بري.

وفكرة المحاكم الإسلامية تقوم أساسا على أن تتولى كل قبيلة مهام إرساء الأمن في منطقتها عبر إنشاء محكمة على رأسها أحد العلماء، تساعده مجموعة من القوات العسكرية غير النظامية في إرساء الأمن.

وتضم المحاكم الإسلامية تشكيلة متنوعة بداية من علماء دين وقادة إسلاميين، مرورا برجال الأعمال الذين يمولون نشاطها ونهاية بالسكان العاديين الرافضين للخضوع لنفوذ قادة المليشيات الذين يفرضون إتاوات على السكان منذ 15 عاما.

ويبدو أن طبيعة المجتمع الصومال وجدت طريقها في تشكيل المحاكم الإسلامية التي تمثل كل منها عشيرة أو فرعا من عشيرة، بعضها يطبق برنامجا وطنيا يهدف إلى إقامة دولة إسلامية، فيما يعتمد آخرون برنامجا عشائريا. غير أنها جميعا تنتهي إلى الاستناد للشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للسلطات.

كما أن طبيعة المجتمع الصومالي المنقسم على نفسه لعبت دورا سلبيا في أن معظم المحاكم الإسلامية لا يربطها جهاز إداري واحد باستثناء مقديشيو التي نجحت 11 محكمة إسلامية هناك في ‘تأسيس اتحاد المحاكم الإسلامية’.

ورغم ظهورها في عام 1991 إلا أن الدور الحقيقي للمحاكم الإسلامية برز في الدولة الصومالية منذ عام 1994 حيث ظلت تمارس أعمالها في حفظ الأمن حتى وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

فبعد وقوع الهجمات مارست واشنطن ضغوطا كبيرة على الحكومة الانتقالية لإلغاء تلك المحاكم بزعم ارتباطها بجماعة ‘الاتحاد الإسلامي’، المدرجة ضمن القائمة الأمريكية الخاصة بـ’المنظمات الإرهابية’.

ورغبة منها في حفظ الأمن وإبقاء الاستقرار في البلاد قامت الحكومة الانتقالية بضم رؤساء المحاكم الإسلامية إلى الجهاز القضائي الحكومي واستيعاب القوات التابعة للمحاكم إلى جهاز الشرطة الحكومي.

غير أنه سرعان ما عادت الأوضاع المتدهورة من جديد في عام 2004 وفشلت الحكومة الانتقالية في بسط سيطرتها على الأمور في البلاد الأمر الذي جعل من الضروري إعادة العمل بنظام المحاكم الإسلامية، التي نجحت في حفظ الأمن وإعادة الهدوء في البلاد حتى تم تسليط الضوء عليها مجددا مع بدايات عام 2006.

الصومال .. المطلوب رقم ‘2’

نشاط المحاكم الإسلامية وشعبيتها بين سكان الصومال أثار مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية، التي استعادت نظريتها في الفوضى الخلاقة، بحيث أوكلت إلى مجموعة من أمراء الحرب السابقين إلى إشعال فتيل أزمة أهلية مع قوات المحاكم الإسلامية.

وقبل الحديث عن دور الميلشيات الصومالية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية، يبدو من الضروري التعرف على معالم الرؤية السياسية والعسكرية التي تنظر بها واشنطن إلى منطقة القرن الأفريقي عامة والصومال على وجه الخصوص. هذه الرؤية يمكن أن تختزل إلى حد كبير سر اهتمام واشنطن بما يجري في الصومال.

فللصومال ومنطقة القرن الأفريقي أهمية جيوسياسية كبيرة، فهي أولا تقع في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر الذي تمر منه حاملات النفط العملاقة القادمة من الخليج العربي إلى البلدان الأوروبية وأمريكا.

وبحسب الرؤية الأمريكية فإن كان حل أزمة الطاقة، من ناحية الإنتاج، يكمن في الخليج العربي، فإن حلها، من ناحية التسويق والنقل، يعتمد على باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس. وإذا تأثرت الحركة خلال هذا المضيق، فإن نتائج خطيرة تترتب على ذلك.

من ناحية ثانية فإن منطقة القرن الأفريقي شهدت خلال العقد الأخير نشاطا ملحوظا للحركات الإسلامية التي في حال نجاحها في الوصول للحكم، يمكنها ضرب المصالح الأمريكية في مقتل، وذلك بتهديد أو وقف مرور حاملات النفط في البحر الأحمر.

الرؤية الأمريكية للصومال والقرن الأفريقي تفسر إلى حد كبير لماذا خرجت مجلة ‘نيوزويك’ الأمريكية في عددها الصادر 26-11-2001م لتعرب عن توقعها بأن الصومال قد تكون الهدف القادم بعد أفغانستان، مشيرة إلى أن القوات الأمريكية قد تستهدف منشآت يشتبه بإيوائها ما أسمتهم بـ ‘إرهابيين’ في هذا البلد.

ما نشرته نيوزويك سبقه في السابع من شهر نوفمبر نفسه إعلان أمريكي عن قائمة تضم 62 شخصًا ومنظمة، تتهمهم واشنطن بإقامة روابط مالية مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. ومن بين هذه القائمة شركة ‘البركات’ [أكبر الشركات العاملة في الصومال من حيث عدد الوظائف].

غير أن تعثر المشروع الأمريكي في العراق، أجل إلى نحو كبير الحملة الأمريكية على الصومال، والتي بدأت تظهر مجددا بعد الانتهاء من ترتيب الأوضاع في دارفور بعد إجبار الحكومة السودانية على توقيع اتفاق تسوية مع متمردي الحرب والسماح بوجود قوات دولية هناك.

ونظرا لأن الذهنية الأمريكية لم تنس بعد مرارة العمليات العسكرية في الصومال والتي انتهت بخروج مخزي في عام 1993 إثر نشر شبكة التلفزة العالمية صورا لمسلحين صوماليين وهم يجرون أجساد الجنود الأمريكيون في شوارع مقيدشيو. فإن صانع القرار الأمريكي فكر في اختبار النموذج الأفغاني مجددا في الصومال، وذلك من خلال التحالف مع ميلشيات عميلة بهدف تقويض حالة السلم في البلاد، والقضاء على نفوذ الحركات الإسلامية هناك.

أمراء الحرب في الصومال

التعاون مع ميلشيات مسلحة في الصومال سبقه تصريحات أمريكية على لسان جنداى فرايزر مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون الأفريقية قالت فيها إن تحركات من أسمتهم بالإرهابيين في شرق أفريقيا تبعث هاجساً مخيفاً للإدارة الأمريكية وللقوى الدولية المناوئة للإرهاب.. مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تبحث لها عن أصدقاء في الصومال يساعدونها في حملتها ضد ‘الإرهابيين’.

ويبدو أن واشنطن لم تجد صعوبة في تجنيد هؤلاء المرتزقة المنوط بهم القضاء على من تصفهم بالإرهابيين. فالساحة الصومالية التي عانت من ويلات الحرب، يبدو أنها حققت مكاسب كبيرة لعدد من الميلشيات التي كانت تتغذى على الفتن والحروب الداخلية، والتي ضايقها سيطرة المحاكم الإسلامية على مقادير الحكم في البلاد.

هذه الميلشيات وبالاتفاق مع المخابرات الأمريكية، قامت بالإعلان عن نفسها في منتصف شهر فبراير الماضي تحت مسمى ‘التحالف من أجل إرساء السلام ومواجهة الإرهاب’. واتخذت من حي داينيل جنوب مقدييشو مقرا لها.

وبالنظر إلى التشكيلة التي أسست التحالف نجد أنها تقوم أساسا على أمراء الحرب المستفيدين من تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد. كما يضم التحالف عدد من الوزراء الذين كانوا في الأصل أمراء حرب مثل وزير الأمن القومي محمد قنياري أفراح ووزير التجارة موسى سودي يلاهو، ووزير الشؤون الدينية عمر محمود فينيش ووزير تسريح المليشيات وإعادة تأهيلها بوتان عيسى، فضلا عن رجل الأعمال بشير راغي شرار.

ولا تقتصر عمليات الميلشيا الموالية للقوات الأمريكية عند حد إشاعة الفوضى والتصدي لنفوذ المحاكم الإسلامية، بل إن دورها امتد إلى القيام بعمليات خطف لزعماء وقادة الحركات الإسلامية وتسليمهم إلى واشنطن.

ورغم أن قوات المحاكم الإسلامية تحقق نجاحات كبيرة على الأرض، إلا أنه من المبكر جدا اعتبار الأمور قد آلت لأبناء الحركة الإسلامية هناك، خاصة وأن الميلشيات العسكرية الموالية لواشنطن تجد دعما من كينيا وأثيوبيا، فضلا عن واشنطن. في الوقت الذي تبذل فيه القوى الغربية جهودها للحيلولة دون تكرار نموذج طالبان في أفغانستان وهو الأمر الذي لو تحقق فإنه لن يكون من السهل إزاحته كما حدث في التجربة الأفغانية.

المصدر: مفكرة الإسلام

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *