الطبيعة تعطس زكاما حتى الموت!

بقلم: عبدالله الحكيم عبدالله الحكيم

هل تذكر جنون البقر وما تلاه أو ربما كان قبله من أمراض؟ لن أتحدث عن حمى الضنك أو (المتصدع) بتقديري الى خراف نفقت متصدعة بما يثير في ذاكرتي الصداع أو لا يثير، ولن اكتب شيئا عن ادبيات الكوليرا ولا التيتانوس. فعن الأولى لست طبيبا بيطريا ولا خبيرا زراعيا، ولم أتناول شيئا من لحم البقر، وعن الثانية لا علاقة لي بأسئلة الصحة ولا بتطبيب البشر.

ومع ذلك وبه، فالأمراض كثيرة وذات أوجه متعددة، فهناك ما ينبعث من داخل التربة، وهناك ما يهاجم الحيوان الذي يتغذى عليه الانسان، ومن الأمراض ما يختصر الطريق فيطبع بحضوره نقطة وقف لحياة الانسان. ولربما يشهد العالم في عقود مقبلة نسمات اضافية من أوبئة الصيف تجرفها أمواج البحر عبر الشواطئ. وأرجو من الله أن تبقى البقوليات فولا وحمصا وبصلا ولا أستثني (البسباس) والزيتون بمنأى عن رجيع الوباء، لكي يستمتع النباتيون على أقل تقدير بصباح يضيئ في حياتهم القليل من الثقة بما يخرج اليهم من باطن الأرض.

ومن قبل ذلك أو بعده فقد سخر الانسان بغباء فاضح أفكارا ورؤى ومشاريع لتصنيع أمراض وبائية أخرى بزعم اعتقاده أن تصنيع الوباء يحقق له سيطرة حيال آخرين، وبذلك فهذه الفئة ممن طالهم جنون العظمة لم يدحروا خصومهم بمشاريع على هذا النحو، وانما أضافوا بمنتهى الغباء الرائع الى أجندة العالم ويلات جديدة من فوقها أو دونها تأتي ويلات البيئة بأثر الفيضانات والتصحر.

وهكذا يقابل كل جرعة دواء يصنعها الفضاء المضيئ في الذاكرة الانسانية عشرات القنابل الموقوتة بابتكار الانسان داخل الأرض وفي جوف الحيوان وصولا الى مائدته.

ها نحن أمام قصة الفساد الذي يطال البر والبحر نكالا بما كسبت أيدي الناس. لقد استنزفوا الأسماك بتجريف كل فضاء تستوطنه كائنات البحر مع سابق علمهم أن الأسماك باقية في الماء، فهي لن تعرج الى السماء ولن تزحف الى البر. وبالطريقة نفسها فقد استأصلوا الاشجار بعنف واغتصبوا العفة الخضراء في عمق الغابات بسابق اصرار وضراوة.
وربما نشهد في عقد آخر يأتي من الزمان ظهور المزيد من كوارث البيئة بتنوع يتجاوز الحصار الانساني.

خذ مثلا نظرية الانتحار البيئي بحسب تصنيف المدونات العلمية. قبل عام 1932 لم تكن النظرية واردة على النحو نفسه، اذ تخلو ذاكرة المعاجم من تصنيف الحالة على أساس علمي ظهرت لاحقا عليه. وبالقدر نفسه ربما يضحك الانسان في قليل أو كثير من الغباء، وهو يتابع قصة انفلونزا الطيور.

لا أدري كيف بدأت القصة، ولكن من الواضح أن ظهور سلالة الانفلونزا الحيوانية تؤكد الحقيقة التي تعيد الى اذهاننا أن مواجع الانسان ترتد طازجة اليه.

قبل حوالي ثلاث سنوات دفعوا الينا ونحن على متن طائرة بعد دخولها الفضاء الأسترالي ورقة استجواب صحي للافادة عما اذا كان أي مسافر قد سبق اليه التقاط مرض (سارس).

وللواقع لم اكن اعرف، ولا أزال الى هذه اللحظة على غير يقين من المصدر الذي يخرج منه سارس. وهكذا فكرت بقدر من الاجتهاد الصحي أنه لم يحصل لي الشرف بالتقاطي سارس أو معرفتي اليه.

لكن قصة الدجاج لاحقا أصبحت مصدر فجيعة خاصة، فقد زعم الكثير من أصدقائي انهم توقفوا عن تناول الدجاج. وشخصيا قلت لهم أوافقكم الرأي من غير وجود ضغائن سابقة للعبد لله مع الدجاج. وعلى النقيض من الموقف نفسه فقد تذكرت للتو فكرة من نوع آخر.. فقبل سنتين أو ربما ثلاث اشتعلت في أمريكا سلالة رشح من النوع الفيجي.

لقد وصفها خبراء الصحة وقتئذ بكونها خطيرة ولا تتوقف حدودها التأثيرية عند الانفلونزا العادية. ولسبب أو لآخر لا أعرف لماذا اختاروا لها اسم (فيجي)، برغم أن هذه السلالة نفسها استشرت بين عامي 1918 و 1919 وأدت الى وفاة ثلاثين مليون شخص في مختلف دول العالم.

ولكن تبقى المشكلة في وجود رابط للعدوى بين سلالات الانفلونزا التي تعاقبت على الانسان وانفلونزا الطيور.. ويبدو أنه حان الوقت لكي تنتقم مملكة الطيور بردود فعل انتقامية من الانسان بوصفه بيت القصيد.

لقد حان الوقت لكي يدرجوا الطيور بمنتهى الحقد على قائمة الارهاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *