حوار مع منتجات دانماركية

بقلم: د. صالح الرشيد

مستشار واستاذ ادارة الأعمال والتسويق المساعد

د. صالح الرشيد

عندما ذهبت للتسوق في احد المراكز الاستهلاكية، وجدت في احد الأركان وبعيداً عن الأرفف مجموعة من المنتجات الغذائية المتنوعة، عرفت أن هذه المنتجات مغضوب عليها لأنها من إنتاج شركات دانماركية تعمل في السعودية أو في خارجها، الحقيقة أن مشهد المنتجات وهي قابعة على الأرض في الأركان لفت انتباهي، فهذه المنتجات قبل أيام قليلة كانت تسيطر على مساحة ملحوظة من الأرفف وتبدو وكأنها نجوم تتلألأ في المكان تتيه فخراً بجودتها وبإقبال الناس عليها، وفي لحظات تخيلت أن هذه المنتجات تذرف الدموع حزناً على وضعها المهين وشعورها بأنها أصبحت منبوذة بعد أن كانت مرغوبة ومطلوبة، وجدت نفسي أدير حواراً مع هذه المنتجات:

قالت لي المنتجات الدانماركية: نحن لا نستحق هذا الوضع المهين، لم نقصر في حق عملائنا، لم نتخل عنهم، في كل مرة يأتون فيها إلى هذا المكان يجدوننا على أتم الاستعداد لتلبية احتياجاتهم، يا للحسرة لقد تخلوا عنا في لحظات بل وضعونا في القائمة السوداء استعداداً لتنفيذ حكم الإعدام بدون ذنب ارتكبناه.

قلت لهم: ذنبكم أنكم خرجتم من رحم شركات تنتمي لمجتمع لم يحترم مقدساتنا ، لم يحترم رموزنا، وإذا كان الأبناء غالباً ما يدفعون خطايا الآباء فأنتم دفعتم خطيئة مجتمع وحكومة، ومن الآن فصاعدا ستخسرون الكثير والكثير.

تغيرت نبرة المنتجات الدانماركية وبدأت تتحدث بعصبية واضحة: نعم نحن سنخسر الكثير، وأهم ما سنخسره هو عملاؤنا الذين بنينا معهم علاقات دائمة على مر السنين، ولكنكم ستخسرون أيضاً، ستخسرون منتجات تعودتم على استهلاكها، منتجات تجزمون بجودتها، منتجات تحبونها أنتم وزوجاتكم وأطفالكم، وبالطبع ستخسرون أشياء أخرى كثيرة أهمها استثمارات شركاتنا في بلدكم.

قلت لهم : لن نخسر فالبدائل كثيرة.

قالت لي المنتجات الدانماركية: لن تفعلوا سوى أنكم ستتجهون إلى شراء منتجات أجنبية أخرى أو تتيحوا الفرصة لشركات أجنبية أخرى كي تسيطر على أسواقكم وتنتج هي لتستهلكوا أنتم.

قلت للمنتجات الدانماركية والغيظ يتملكني: ولماذا نشتري منتجات أجنبية أخرى ونحن لدينا منتجات وطنية تستطيع أن تشبع احتياجاتنا؟

قالت لي المنتجات الدانماركية: ياعزيزي إنها عقدة الأجنبي التي تسيطر على سلوكياتكم الشرائية منذ عشرات السنين ولن تتخلصوا منها للأبد، أتعرف لماذا؟ لأنكم تفتقدون إلى ثقتكم في أنفسكم وفي إمكانياتكم، ولأن شركاتكم لم تمارس ولن تمارس على الإطلاق أدواراً فعالة لتشجيعكم على التخلص من هذه العقدة.

قلت للمنتجات الدانماركية: آن الأوان لأن نتخلص من هذه العقدة، والبداية ستكون في السوق الذي تخرجون منه الآن، أنا أثق تماماً أن شركاتنا ستستثمر هذه الفرصة الذهبية في السيطرة الكاملة على هذا السوق، ستقترب أكثر من عملائها لتعرف احتياجاتهم وتوقعاتهم، ستبني في أذهانهم صورة ذهنية جديدة ومكانة متميزة في عقولهم، ستبدع في تقديم رسائل ترويجية تساهم في بناء اتجاهات جديدة وايجابية نحو المنتج الوطني، ستبني هذه الشركات جسور الولاء بينها وبين عملائها ولن تدعهم يذهبون بعيداً مرة أخرى، ليس هذا فقط بل سيكون هذا الحدث هو نقطة الانطلاق نحو الأفضل في تغيير واقعنا الصناعي والاقتصادي، سننتج ما نستهلكه، سنطور أساليبنا في العمل والإنتاج، سندرب مهندسينا وموظفينا وعمالنا على أساليب العمل الحديثة، سنجري الأبحاث والدراسات، سنسن القوانين المشجعة على التصنيع والاستثمار، سنبث في مجتمعنا روحاً جديدة، روح العمل والإنتاج و……هنا تعالت ضحكات المنتجات الدانماركية وصاحت بصوت واحد: أنت تحلم يا دكتور…

5 آراء على “حوار مع منتجات دانماركية”

  1. السلام عليكم ورحمة الله
    حوار ممتع .. حقيقة وانا في مجمع العريقي ( صار مجمع بعد ما كان بقالة 🙂 ) البارحة حسيت بالفخر عندما رأيت ثلاجة “سن توب” خالية تماماً – تماماً – من العصيرات ومعلوم بأن الحبيب سنتوب دنماركي لا بارك الله لهم فيه 😀
    في أمان الله
    [الظاهر اخوي كمال الوظيفة أو الترقية الجديدة آخذه من وقتك شي كثييير .. مفتقدينك :)]

  2. قرطاس… شكراً على مرورك ومشاعرك الجميلة 🙂

    وليد بيك… يا أخي أنا أحس إن الموقع منور وما دريت إنك شرفتنا بزيارتك :)…

    الله يذكر العريقي بالخير… يا ما سبب لنا أكل مطعمه القديم بلاوي في بطونا وناس تسممت هاهاهاها… بس زين إنه تطور…

    إلا على فكرة.. كان فيه واحد مصري حبيب اسمه عادل (إذا ما خانتني الذاكرة) هل هو موجود إلى الآن؟؟؟ إذا كان موجود بالله قله كمال يسلم عليك 🙂

    الوظيفة الجديدة ما لها علاقة بس الموضوع إني مشغول إلى شوشتي :)… ولكن لا تخاف جالس كل شوي أمر على موقعك علشان أنوره 😛

    تحياتي؛؛؛

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *