لأن “النفط خبزنا وزبدنا”

بقلم: أشرف إحسان فقيه أشرف إحسان فقيه

والحديث عن الزبد هنا ليس له علاقة بالأزمة الدانمركية. إنما العبارة مقتبسة عن تصريح للسفير السعودي بواشنطن الأمير (تركي الفيصل) تعليقاً على خطاب الرئيس (بوش) الذي دعا فيه لخفض اعتماد بلاده على نفط الشرق الأوسط بنسبة 75 بالمائة مع حلول العام 2025.

كلام الرئيس (بوش) بدا شخصياً وموجهاً بطبيعة الحال في نظر دول النفط التي يتوجس رعاياها ويتساءلون الآن عن مبررات مثل هذه التصريحات وعن الحقائق المختبئة بين كلماتها المهددة لوجودهم ذاته كما تعكس عبارة سمو السفير.

لكن كلمات الرئيس الأميركي جاءت هذه المرة مربكة حتى لخبراء الشأن النفطي الذين لم يفهموا معنى أن يضرب زعيم القوة العظمى الآن بالذات بالاعتبارات الاستراتيجية السياسية والاقتصادية عرض الحائط، مزعزعاً مؤشرات الأسواق وواضعاً مزيداً من الضغوط على صناعة الطاقة المتوترة أصلاً. لاسيما وأن أميركا ذاتها لا تبدو في غنى عن أي قطرة نفط إضافية يسعها أن تتحصل عليها اليوم أو غداً. كما أن الهدف المدهش الذي تضمنه خطاب (حالة الإتحاد) الأخير يتعارض على نحو اعتباطي مع شلالات الدماء التي أراقتها إدارة (بوش) نفسها لتكرس غزوها للعراق ونشر قواتها في قلب المنطقة التي تستأثر بنصف كمية النفط المتاحة للعالم.

الباحث عن الدوافع وراء تصريحات الرئيس (بوش) سيصطدم بجملة من الحقائق الهامة. فأميركا تعتمد أولاً على دول كالمكسيك وكندا ونيجيريا في وارداتها من الوقود الأحفوري. 15-20 بالمائة فقط من حاجتها النفطية تأتيها من الشرق الأوسط بما في ذلك دول الخليج والعراق. وحتى هذه لا تمثل الدولة الأميركية زبونها الأكبر، وإنما تقوم مقامه شركات الطاقة الأميركية عالمية النفوذ التي تشكل دعوة بوش ضربة لها هي في الأساس.. ما يزيد الموقف غرابة!

التهديد أعلاه يتضاءل أكثر بالنسبة لنا حين نعرف أن الانعتاق من الالتزام الأميركي سيسمح لموردي النفط الشرق أوسطيين بالتركيز على أسواق واعدة أكثر نهماً في الصين والهند وعبر أوروبا وفي اليابان أيضاً التي يعني انقطاع إمدادات النفط عنها نهاية فورية لاقتصادها؛ ما يجعلها في موقف أكثر حرجاً بين كل من تلقوا دعوة (بوش) بالتحول عن البترول إلى مصادر طاقة بديلة بذريعة قدومه من مناطق “غير مستقرة” على حد تعبيره.

لماذا يتلفظ الرئيس الأميركي إذن بهكذا جمل غير مفيدة ليقرن مصير اقتصاده المدمن على النفط بإنهاء التبعية لبترول الشرق؟ هل يكون الأميركيون قد اكتشفوا بالفعل بديلاً سحرياً للنفط؟

ليس سراً أن معاهد الأبحاث تلهث وراء بديل للبترول منذ المقاطعة النفطية عام 73. ومع تزامن ذلك مع وصول الإنتاج الأميركي لأوجه ثم تدهور العلاقات مع إيران الثورة الإسلامية، صاغت الإدارة الأميركية ما عرف بـ (عقيدة كارتر) التي تنص على أن الولايات المتحدة ستستعمل حتى قوتها العسكرية للحفاظ على منفذ لها إلى احتياطيات الشرق الأوسط التي تضمن استقرار أسواق العالم ككل.

بغض النظر عن كل مايقوله العلماء والبحّاثة المتحمسون للجديد، فإن الحديث عن استعاضة قريبة عن البترول بمصدر طاقة آخر هو من قبيل النكتة. في 15 أغسطس الماضي كتبت هنا مقالاً بعنوان (ما بعد النفط) ذكرت فيه أن لائحة البدائل للبترول تمتد لتشمل الوقود الهيدروجيني وبخار جوف الأرض. هناك أيضاً صرعة (الذهب الأخضر) التي تمثلها أشكال من الوقود العضوي المستخرجة من النباتات والتي باتت بالفعل تدير المحركات حول العالم. وذكرت وقتها أن الطاقة النووية تظل هي البديل المنطقي الأول كحقيقة ترغمنا على قراءة مختلفة لعناوين الأخبار. الرئيس (بوش) بدوره حدد البنزين المخلوط بإيثانول الذُرة كبديل واعد لوقود السيارات الذي يمثل كابوس الطاقة الأكبر!

لكن الحقيقة التي رسختها تعليقات الأسبوعين المنصرمين هي غير ذلك تماماً. فليس ثمة طاقة أرخص ولا أكثر كفاءة من النفط! الطاقة النووية تخيفنا بخطر نفاياتها وبمحظورها السياسي. ووقود الهيدروجين يكلف إنتاجه قدراً من الطاقة يفوق ما يقدمه.. ناهيك عن أن معظم الهيدروجين المنتج صناعياً يأتي اليوم من الغاز الطبيعي!! وسيعني التحول إلى أي من مصادر الوقود الأخرى المقترحة إزالة حضارتنا الصناعية الحالية وإعادة تصميمها من الألف إلى الياء كما يؤكد (ريتشارد هاينبرغ) في كتابه (غروب الطاقة). هذا البديل أياً كان سيتطلب بالتأكيد ماهو أبعد بكثير من 2025م ليمَوِن أكبر اقتصاد في الدنيا بثلاثة أرباع طاقته كما يطمح الرئيس الأميركي في خطته الفذة.. فضلاً عن باقي العالم.

ماذا يريد الرئيس بوش، “تايكون” النفط التكساني، بتصريحاته إذن؟

هل هي طريقة يبرر بها فشله في فرض مبررات حربه بالعراق؟ لعله يمهد لشعبه بالتقليل من شأن النفط قبل أن يفاجئهم بتغيير وجهة نظره في جدوى الاحتلال؟ هل هو فقط يعزف على وتر الاستقلالية ويتودد للبيئيين ليرفع من أسهمه، كونه الرئيس الحاصل على أدنى معدلات شعبية منذ (ووترغيت) (نيكسون)؟ أم تراه يتحدث من واقع كبرياء شخصية ملّت الانصياع لحفنة من وزراء نفط (الأوبك)؟

ربما هي مبادرة شبيهة بمبادرة (كلينتون) لدفع البحث العلمي.. أو محاولة لإضفاء لمسة من المجد على اسم (بوش) في التاريخ كما فعل (كينيدي) قبل 40 عاماً حين وضع أمته أمام الأمر الواقع وأرغمها على تحمل فاتورة إرسال رجل أميركي للقمر؟! – ذكر بوش في 2004 أنه سيرسل رجلاً للمريخ!!.

أيعقل أن يتعمد رئيس الولايات المتحدة تضخيم أسعار الوقود ليفيد أصدقاءه من رؤساء شركات الطاقة؟ ثمة تفسير أخير لحركة بوش وتصريحه العجيب. فالرجل ربما يتحدث بناء على وحي جاءه من مصدر علوي.. وهو التبرير الذي قدمه بكل وضوح وصفاقة يوماً ليشرح حيثيات قراره بغزو بغداد!

أياً كان السر وراء هذا التوجيه الصادم لاستراتيجيات الطاقة الأميركية، نبقى نحن بالذات معنيين أكثر من غيرنا بالشأن كون “النفط هو خبزنا وزبدنا”. وسواء كان (بوش) يهرف بما لا يعرف أو يتحدث من موقع العليم بالبواطن فإن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن الاستغناء عن النفط أمر واقع لا محالة.

وقصة البترول التي بدأت قبل مئات الملايين من السنين لتتألق بفضلها شوارعنا وبيوتنا وشاشات حواسيبنا ستنتهي قريباً.. في مدى حياة أولئك الذين هم اليوم أطفال. وإن كانت من حسنة واحدة للبلبلة التي أثارتها دعوة الرئيس الأميركي تلك فهي في وقفتنا مع أنفسنا وسؤالها.. على ماذا سنعتاش بعد أن ينضب الخبز والزبد؟!.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *