كيسنجر والعراق

بقلم: عبدالمجيد سعود منقرة

عبدالمجيد سعود منقرة

في لقاء مع مجلة دير شبيغل الألمانية بتاريخ 10 / 10/ 2005م تحدث هنري كيسنجر عن الأوضاع التي يمر بها العالم ورؤيته للتغيرات التي عصفت بالنظام الدولي والتحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة القادمة , هنري كيسنجر عندما يتحدث فهو لا يلقي كلاما على عواهنه بل هو يتحدث بلغة فيها قدر كبير من المسؤولية والشعور بالواجب القومي تجاه بلده, خصوصا وهو من كان له دور استراتيجي في رسم السياسة الخارجية الأمريكية خلال العقود الماضية.

الحديث تطرق لجوانب عديدة بدئ بالعلاقات الأوروبية الأمريكية ونقاط التجاذب بين ضفتي الأطلسي حول عدد من الملفات الدولية وانتهاء بتطورات الأوضاع في العراق ومنطقة الشرق الأوسط .

لا أريد أن أتناول كل ما تعرض له هنري كيسنجر في حواره المطول مع الصحيفة الألمانية ولكنني رغبت التوقف عندما يتعلق بالعراق.

فبخصوص الوضع في العراق يحدد هنري كيسنجر الأسباب التي يرى أنها تكفي لجعل الحرب مبررة وتجعل من إسقاط نظام صدام حسين أمرا مقبولا ومرحبا به (( صدام امتلك النفط !!, وكان لديه اكبر جيش في المنطقة, وكان هناك قلق مبرر انه يستطيع امتلاك أسلحة الدمار الشامل .. القرار الذي اتخذ كان مبنياً على أسباب جيدة بغض النظر عما يمكن قوله اليوم..)).

فالأسباب بحسب هنري كيسنجر التي تبرر الحرب على دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة وتبرر إسقاط نظامها الحاكم وتغييره وتبرر تفكيك الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية وتحويلها إلى ساحة للفوضى باسم الديمقراطية, كل هذا يكفي للقيام به أن تملك الدولة نفطا في أرضها, وان يكون لديها جيش قوي في منطقة الشرق الأوسط يمكن له أن يهدد مصالح أمريكا وحليفتها إسرائيل, وان يكون هناك قلق لدى أمريكا وربيبتها إسرائيل من امتلاكها أسلحة الدمار الشامل. فقائمة المحرمات على دول المنطقة هي هذه الثلاث والتي قد تعرض الدولة التي تقترب من انتهاكها وامتلاكها بشكل مستقل عن الإرادة الدولية إلى خطر الاحتلال والفوضى الأمريكية باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهذا ما يغذي كل عوامل القلق لدى دول المنطقة من النوايا الأمريكية خصوصا الدول النفطية وبالذات منها التي ترسم لها سياسة خارجية بعيدة عن خطوط التماس الأمريكية سواء في بنائها لقوات مسلحة تعيد شيئا من التوازن المفقود في المنطقة او في تحالفاتها الدولية مع القوى الصاعدة في العالم اليوم , أو في عدم مساهمتها ومشاركتها بشكل فاعل في خرائط الطرق الأمريكية لإصلاح المنطقة وفق المنظور الأمريكي.

وفي الحديث عن المأزق العراقي الحالي يؤكد كيسنجر على عدم السماح بانتصار من سماهم الجهاديين الإسلاميين – ولاحظ أن الأسباب التي ذكرها لغزو العراق ليس منها هزيمة الجهاديين – هو هدف يشترك فيه المجتمع الدولي كله وخصوصا الدول التي فيها أعداد كبيرة من المسلمين كالهند وشرق آسيا , إذ ان ذلك الانتصار سينظر إليه على انه انتصار للجهاديين على التقنية العالمية الحديثة.

وبخصوص المخرج من هذا المأزق يؤكد على أن هناك رغبة حقيقية لإنهاء هذه الحرب وهو أمر حدث أثناء الحرب الفيتنامية إذ كانت هناك رغبة جادة لدى الإدارة الأمريكية لإنهائها ولكنها كانت تريد إنهاءها بطريقة لا تضر بالاستقرار الدولي ولا تضر أيضا بحلفاء أمريكا ولتحقيق هذه الظروف المساعدة على إنهاء الحرب يطلب كيسنجر إشراك حلفاء أمريكا والدول التي لها علاقة بالوضع العراقي في حوار مطول من اجل توفير أوضاع لا تؤثر على الاستقرار الدولي والمقصود هنا هو إلا أن يؤدي الخروج الأمريكي من العراق إلى حدوث حرب في المنطقة تتجاوز العراق وتؤثر على تدفق النفط إلى السوق العالمية وكذلك أن لا يؤدي الخروج الأمريكي إلى تقوية نفوذ من سماهم الجهاديين في العراق , وان لا يؤدي أيضا إلى نشوء أوضاع جيوبولتيكية قد تشكل تهديدا لأمن إسرائيل , و إذا توفرت هذه الظروف فلا يهم بعدها أن يغرق العراق في حرب أهلية تكون تحت السيطرة والمراقبة وربما تكون هذه الحرب عامل استقرار بحسب المفهوم الأمريكي والإسرائيلي و الذي لا يعني إلا استقرار تدفق النفط وتحقيق امن إسرائيل.

هذه هي الظروف المطلوب صناعتها قبل الحديث عن أي خروج أمريكي من العراق وهي معادلة من ثلاثة متغيرات وكل متغير فيها يحتاج إلى عدد كبير من العمليات من اجل كشفه أو حتى مقاربته.

فالمقاومة في اغلبها إسلامية وأي انسحاب أمريكي هو انتصار لها, وأنصار إيران وحلفاؤها غالبية تحت قبة البرلمان, وهو انتصار لإيران يقوي من نفوذها في المنطقة ويجعل مصالح أمريكا تحت رحمة العمائم الإيرانية وهذا يضيق هامش الخيارات الرابحة أمام أمريكا في المنظور القريب وهو ما قد يقودها إلى رسم سياسة وقائية أكثر منها هجوميه في هذه اللحظة التاريخية القريبة ,وهذه السياسة الوقائية ربما نشهد ملامحها في أمرين : الأول في الحديث عن تكوين منظومة دفاعية و أمنية لدول الخليج العربي تحت مظلة الناتو في محاولة لمواجهة أي تداعيات سيئة للوضع العراقي المفتوح على كل الاحتمالات. والأمر الثاني : هو في محاولة تغيير الموقع التحالفي للنظام السوري والإتيان بنظام يقبل الانخراط في عملية التسوية بشروط أمريكا لقطع الطريق أمام التحالف الإيراني السوري.

ويتوقف كيسنجر وهو يتحسر على العراق ويحذر بني قومه من ترك العراق يدمر( العراق طبعا لم يدمر إلى الآن) ويتساءل ( هل من المحتمل أن يدمر العراق بسبب أوضاعنا الداخلية ؟ …….كل إنسان عليه أن يبذل حده الأقصى لإنهاء هذه الحرب بطريقة مسئولة بأسلوب نستطيع نحن وبقية العالم أن نتوافق عليه).

ونحن نجيب ونقول إن الأمر ابسط مما تتصور هو فقط قرار بالانسحاب من العراق وينتهي كل شيء , ولكن كل ما هنالك أن تتخلوا عن المعادلة الصعبة التي تقول ان الانسحاب يعني الانتصار , هو فقط تغيير في المصطلحات ليس إلا؟ انه أمر بسيط أيها الاستراتيجي الكبير.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *