من وراء قتل جبران تويني؟!

بقلم: طلعت رميح

قتل ‘جبران تويني’ بعد ساعات من عودته من الخارج حيث هو مثله مثل معظم المشاركين في قيادة أحداث لبنان ما بعد اغتيال الحريري، لا يعودون إلى لبنان إلا خلال المناسبات الرسمية بحكم الظروف الحالية في لبنان، وهي حالة متكررة أو مستنسخة كما هو حادث في العراق من قِبل من أتوا على ظهر دبابات الاحتلال حيث الإقامة في أغلب الأوقات في خارج البلاد.

هو وصل ليلاً إلى بيروت واغتيل صباحاً بما يؤكد أن مدبر الجريمة له قدرة عالية الدقة وعلى درجة من الجاهزية والاستعداد والمتابعة في الخارج وعلى الأرض اللبنانية بما مكنه من نصب فخ الاغتيال الغادر بهذه السرعة في التدبير والتنفيذ، والأهم هنا هو أن المدبر اختار توقيتاً سياسياً محددًا بدقة متناهية.

ومع اغتيال تويني فتح مجددًا ملف الاغتيالات في لبنان الذي كان توقف قطاره منذ فترة إلا من المحاولة التي جرت قبل أيام وفشلت في اغتيال أحد المسئولين الأمنيين من حزب الله، وهي محاولة هاجرت خلالها الاغتيالات من بيروت إلى خارجها هناك في طرابلس في الشمال اللبناني ـ في تطور جديد لقدرة مرتكبي هذه العمليات ـ قبل أن تعود مرة أخرى إلى بيروت باغتيال ‘تويني’، الأمر الذي أحدث حالة من الهلع والخوف بين القيادات السياسية والإعلامية وأعاد سيرة الاغتيالات ومسيرتها والأخطر أنه فتح المستقبل أمامها لتجري على نحو أوسع لا العكس، وهو ما أدركه كثير من الساسة اللبنانيين الذين صعدوا حملتهم ضد الاغتيالات وطرحوا تدويلاً للتحقيق في كل عمليات الاغتيال السابقة منذ محاولة اغتيال ‘مروان حمادة’ في نهاية عام 2004، لتخويف مرتكبي هذه العمليات من خلال استدعاء تدخل دولي في المواجهة.

وجاءت عملية اغتيال ‘جبران تويني’ بعد ساعات من تقديم ديتليف ميليس تقريره الثاني إلى أمين عام الأمم المتحدة، والذي جاء تقديمه بعد أن تعرضت مهمة ميليس إلى ضربات موجعة واهتزاز عميق ـ خاصة بعد تراجع الشاهد السوري عن شهادته وفضح اللبنانيين الذين ضغطوا عليه وأغروه للشهادة ضد بلده ـ فجاء الاغتيال ليعطي مهمة ميليس، المنتهية باستقالته وبفعل الضربات أيضًا، زخماً جديدًا على المستوى السياسي الإعلامي بتوفير مادة جديدة للحديث مجددًا عن الدور السوري في اغتيال الحريري، كما هو الحال في تصريحات وليد جنبلاط وغيره، وزخماً على مستوى التدخل الخارجي، كما هو الحال في طلب رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ضم ملف اغتيال جبران إلى اللجنة الدولية للتحقيق في واقعة اغتيال الحريري أو تشكيل لجنة أخرى، وبتصاعد التشبث بفكرة المحاكمة الدولية أو المحاكمة ذات الطابع الدولي كما هو التعبير المستحدث، وتعطي زخمًا على مستوى الرأي العام باستثمار حالة الفزع الشعبي من استمرار ظاهرة الاغتيالات لمزيد من الشحن الداخلي والخارجي وشغل الرأي العام اللبناني والعربي.

وأظهرت عملية اغتيال جبران استمرار عمليات الاغتيال في التركيز على الإعلاميين الذين يحملون على سوريا ويرفعون لواء العداء لها ـ لا الهجوم عليها فقط ـ حيث طالت محاولات الاغتيال من قبل الصحفي سمير قصير ـ وهو من نفس جريدة النهار التي يديرها تويني ـ والإعلامية مي شدياق…إلخ. باعتبار أن قتلهم أمر يسمح دون مشكلات لتوجيه الاتهام لسوريا.

كما أظهرت عملية الاغتيال هذه عدم قدرة الحكومة اللبنانية بعد إقصاء قادة الأجهزة الأمنية واعتقالهم وتعيين قادة جدد، على ضبط الأمن في لبنان وتقليل مساحة الاختراق الأمني…إلخ.

وفي محاولة التعرف على من قتل ‘جبران تويني’، أو إذا كان السؤال الجوهري في عملية الاغتيال هو من وراء العملية، فإن السؤال الكاشف في أي عملية اغتيال هو: ‘من المستفيد من عملية الاغتيال؟’ حيث كل عملية اغتيال هي لغز لا يفك بسهولة، وإلا لما كانت عملية اغتيال. كان هذا السؤال الكاشف في قضية اغتيال الحريري هو من المستفيد من عملية اغتياله حيث أثبتت الأحداث أن المستفيد هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني رغم إن المتهم كان ولا يزال هو سوريا وليس غيرها، ويظل السؤال الكاشف في عملية اغتيال جبران أيضاً هو السؤال نفسه.

وإذا عاينا المستفيد في حالة اغتيال جبران فسنجد أن المستفيد في الحالة الأولى هو نفسه المستفيد في الحالة الثانية، وهنا تأتي المفارقة من أن الكيان الصهيوني بات يأكل بعض حلفائه بقدر من الجرأة والوضوح سواء من أجل تحقيق أهدافه في الوصول بالأكثر ارتباطاً منهم بها إلى سدة قيادة الرأي العام، أو من أجل اصطياد سوريا وتكثيف الضغط عليها، أو من أجل الإسراع في تمرير خطوات تطبيع العلاقات الجارية حاليًا مع أطراف في الحكومة اللبنانية ودون إعلام ممثلاً في فصل العلاقة مع سوريا ‘فصل المسارين’ وتنفيذ الأجندة الصهيونية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين…إلخ.

خطط الاغتيال والفاعل!!

خطط الاغتيال السياسي عمليات مركبة تشمل إقرارها سياسياً وتحديد أهدافها وترتيباتها وإجراءات وتنفيذها، ويعتبر شرطها الرئيس هو أن يحتار الجميع في معرفة من القاتل على المستوى الجنائي من خلال آليات التحقيق وجمع الأدلة والوثائق والإثباتات ـ وإلا كانت عملية قتل واضحة يعلن فيها القاتل أنه هو من قتل هذا الشخص أو ذاك ـ أو أن الفاعل يختار الطريقة والترتيبات والتوقيت بما يجعل الأغلبية تشير إلى أطراف متعددة بإصبع الاتهام إلا الفاعل ليظل بعيدًا.

ولذلك هي عمليات تجري وفق تخطيط دقيق وعلى أعلى المستويات ووفق أعقد الأساليب سرية، إلى درجة أن هناك من يعتبر مرتكبيها إبطالاً لقدرتهم على تنفيذها في أعقد الظروف دون إن يضبطوا أو يكتشف أمرهم كما هو الحال لدى الكيان الصهيوني الذي منح أعلى النياشين للضابط الصهيوني إيهود باراك ـ رئيس الوزراء فيما بعد ـ الذي نفذ عملية اغتيال في العاصمة اللبنانية بيروت ضد قادة سياسيين وأدباء فلسطينيين مرتدياً زي امرأة، وانسحب هو والقوة المرافقة دون إن يكتشف أو يضبط، كما يعتبر اكتشاف المجموعة التي تقوم بعملية الاغتيال والقبض عليها كارثة من الكوارث السياسية.

ولذلك كان الإمساك بالعملاء الصهاينة في عملية محاولة اغتيال المجاهد الفلسطيني ‘خالد مشعل’ بمثابة فضيحة سياسية وكارثة للمخابرات الصهيونية بما اضطر القيادة الصهيونية لإصدار أوامر فورية بإرسال الترياق الذي يشفي من السم الذي حقن به مشعل وبالاستجابة لمطلب الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين رحمه الله من أجل تسلم عملاء المخابرات الصهيونية الذين اكتشف أمرهم وألقي القبض عليهم في عمان.

وإذا كان القرار السياسي يسبق دوماً الإجراءات التنفيذية في عمليات الاغتيال ـ سواء كان القائم بالعملية جماعة منظمة أو دولة ـ فإن القرار السياسي في تلك الحالات يجعل أحد الشروط التي يحددها للمجموعات التي ستقوم بالعملية، هو أن تجري دون توريط للمستوى السياسي بشكل مباشر ودون توريط للمنظمة أو الدولة القائمة بها، بل يكون ضمن خطط قيادة المجموعات المكلفة بالاغتيال تحديد التوقيت والإعدادات الإعلامية والسياسية في مرحلة ما قبل الاغتيال ولمرحلة ما بعد الاغتيال.

وقد شاهدنا في عملية اغتيال ‘ياسر عرفات’ كيف حدد القرار السياسي ضرورة الاغتيال وكيف جرى التمهيد للعملية لفترة طويلة جرى خلالها عزل عرفات سياسياً وإدخاله في صراعات داخلية وكيف بدا التمهيد لإطاحته أو لتحويله إلى ميت وهو حي من خلال الادعاء بأنه عقبة في طريقة ‘التسوية’، وأنه هو من يقف وراء العمليات الفدائية..إلخ.

كما شاهدنا أن آلة الإعلام الصهيونية قد مهدت لموت عرفات بالإعلان عدة مرات قبل وفاته بعام أنه مريض وأنه يعاني من أمراض خطيرة، كما مهدت لموته بالإعلان عن ذلك فور وصوله إلى باريس، كما شنت حملة كبيرة ضد الفساد والأوضاع المالية في السلطة الفلسطينية…إلخ.

ويكون الوضع النموذجي في حالات توقيت القيام بالاغتيال، حينما يكون الشخص المقرر تصفيته قد أصبح محل خلاف بين عدة أطراف أو أن يكون قد دخل في حالة عداء مع طرف أو عدة أطراف ليس من بينها الطرف الذي يعد لاغتياله لتتجه الأنظار جميعها إلى الطرف أو الأطراف التي يختلف معها دون الطرف الذي يقوم بعملية الاغتيال، وهكذا يكسب الطرف الذي قام بالاغتيال على جميع المستويات دون أن يخسر شيئاً. وذلك هو ما يلخص حالة اغتيال رفيق الحريري كما هو ما يلخص من بعد عملية اغتيال ‘جبران تويني’.

توقيت تصفية تويني

اختارت الجهة المستفيدة ‘جبران تويني’ لعملية الاغتيال بالنظر إلى مواقفه الشديدة العداء لسوريا، إذ هو منذ فترة طويلة يهاجم سوريا على طول الخط ويتهمها بوضوح بقتل الحريري، وهو ما سمح بلصق الاتهام بسوريا بأكثر مما حدث في حالة الحريري، حيث الاختلاف بين الحريري وسوريا كان مستترًا بينما التشهير الذي كان يقوم به جبران ضد سوريا معلناً ومتصاعداً.

كما اختارت هذه الجهة جبران تويني لعملية الاغتيال لحاجتها لتفعيل خططها الرامية إلى دفع القادة المسيحيين في لبنان خطوة أبعد في الصراع ضد سوريا وضد القوى اللبنانية الطائفية الأخرى، وللدفع بهم بصورة أقوى نحو الولايات المتحدة للحماية وللكيان الصهيوني كحامٍ لهم، وكذا لفتح مساحة أوسع للعناصر الأشد تطرفًا والأكثر دموية والأكثر ارتباطًا بالعمل العسكري في الصراع اللبناني الداخلي إلى ساحة قيادة الأحداث، حيث كل المحاولات التي جرت خلال عمليات التحضير الجارية للحرب الأهلية في لبنان من قبل لم تنجح في تطوير الأوضاع كما ينبغي أو كما يتطلب تنفيذ الخطط الصهيونية والأمريكية.

وكذا استهدف اغتيال جبران توجيه ضربة إلى الأفكار التصالحية التي ظهرت بعد الانتخابات من خلال تشكيل حكومة لبنانية تضم أطياف واسعة بما جعلها تحت رحمة وضغط بعض القوى المرتبطة بسوريا.

كما اختارت هذه الجهة توقيت اغتيال ‘جبران تويني’ لمواجهة تأثير الصدمات القاسية التي تعرضت لها لعبة التحقيق الدولي في قتل الحريري من خلال فتح صفحة جديدة في لعبة اتهام سوريا والضغط عليها، وهو إذ كان الأنشط في مساندة لجنة تحقيق ميليس بل هو كان أحد الشهود الذين أدلوا بشهادة في تحقيق ميليس، فقد استثمر الاغتيال للدفع مجددًا لفكرة التحقيق الدولي. كما جاء توقيت عملية الاغتيال لمواجهة حالة تنحي ميليس، ولمنع التحقيق من الانهيار بعد أن انهارت مصداقيته بتراجع الشهود الذين اعتمد عليهم تقرير ميليس.

سوريا هي المستهدف !!

من يقلب في الظروف التي جرت فيها عملية الاغتيال لا شك يصل إلى أن سوريا هي الطرف المستهدف من اغتيال ‘جبران تويني’ لا الطرف الذي ارتكب الجريمة. الأمر يقضي الفصل بين الحالة الإعلامية وبين الحالة السياسية. من يأخذ من الحالة الإعلامية ليشكل رأيه أو وجهة نظره فهو سيصل إلى أن الطرف المضار من وجود وجهود تويني هو سوريا ومن ثم فهي التي قتلته بحكم ما كان يقوله ويروج له ‘جبران تويني’، لكن الذي يأخذ بالتحليل السياسي والرؤية الاستراتيجية لتطور الأحداث سيجد أن المستفيد من قتل تويني هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، باعتبار أن الجريمة نتج عنها تحول جهد القوى المرتبطة بالمشروع الأمريكي الصهيوني لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة من جهد في تغيير الأوضاع في لبنان إلى محاولة لعب دور مباشر في خلخلة النظام السوري من الداخل وهو تطور خطير، وإن كان يعكس فشل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في خلق معارضة عميلة في سوريا، كما كان الحال في العراق بما جعلها تلجأ إلى قوى لبنانية.

وإذا كان تقدير الموقف الآن هو أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قد نجح حتى الآن في خلق أزمة في لبنان وإدارة سوريا بالأزمة، فإن اغتيال تويني جاء ضمن سلسلة من تكثيف الضغوط على سوريا لاستمرار إدارتها بالأزمة وسيتسبب عنه تصاعد الضغوط على سوريا وإعادة شحن الرأي العام اللبناني ضدها وتوفير مادة سياسية وإعلامية للتأثير على الرأي العام العربي…إلخ.

ويمكن القول إن أحداث الاغتيال لن تتوقف ليس فقط بحكم استمرار الضغوط على سوريا ولاستمرار خطط إشعال الفتن في لبنان، ولكن أيضًا لخطأ كثير من القادة السياسيين اللبنانيين الذين راهنوا على هذه الأزمة لإحداث تغييرات على صعيد التوازنات السياسية والطائفية في لبنان فأصبحوا هم الأقرب لأن يكونوا وقودًا لكل أشكال التمهيد لها باعتبارهم الحلقة الأضعف في التوازنات الجارية في مخطط إعادة تشكيل المنطقة العربية لتنفيذ الأهداف الأمريكية والصهيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *