فضيحة سكوتر ليبي

بقلم: د/ محمد مورو

الذرائع الأمريكية للحرب على العراق – كانت مزورة ومزيفة وملفقة, هذه حقيقة أثبتتها الأيام والسنون منذ غزو العراق في أبريل 2003 وحتى الآن، ولكن تفجر فضيحة ‘سكوتر ليبي’ مدير مكتب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني كان بمثابة الضربة القاضية في نسف مصداقية النظام الأمريكي بخصوص تلك الذرائع.

فضيحة ليبي أعادت من جديد الحديث عن الذرائع الأمريكية للحرب على العراق، ومدى كذبها، وأثبتت أو أضافت المزيد من الأدلة على أن النظام الأمريكي قد كذب على العالم، وكذب على الشعب الأمريكي نفسه بخصوص الذرائع التي ساقها للحرب على العراق، بل إن تلك الفضيحة تكشف أيضًا عن دور اللوبي الصهيوني، وخاصة الموالي لحزب الليكود في ‘إسرائيل’ في دفع الإدارة الأمريكية في هذا الاتجاه بالإضافة طبعًا إلى رغبة اليمين المحافظ في إقامة إمبراطورية أمريكية، ومن المعروف أن سكوتر ليبي نفسه من كبار مؤيدي ‘إسرائيل’، بل من كبار مؤيدي الليكود ‘الإسرائيلي’.

وكان سكوتر وريتشارد بيرل وديك تشيني ورموز صهيونية ومحافظون بالاتفاق مع مجموعة من المخابرات والصحفيين قد روجوا لامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ولكن سفير الولايات المتحدة السابق في النيجر ‘جوويلسون’ قال وقتها: ‘إن الحديث عن حصول العراقيين على يورانيوم من النيجر هو أمر غير صحيح وملفق’، ما دفع سكوتر إلى الانتقام منه بتسريب معلومات عن زوجته ‘فاليري بالم’ وكشف هويتها كعميلة سرية للمخابرات المركزية الأمريكية, ما تسبب لها في متاعب ومحاكمات، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى اتهام سكوتر ليبي بالكذب وتضليل العدالة، ولكن التهمة الأهم هنا هو كذب الرئيس ونائب الرئيس ورجال الرئيس على العالم وعلى الشعب الأمريكي نفسه والتقرير بخصوص الأسباب الحقيقية للحرب على العراق، ومادام الأمر كذلك فعلينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية والأسباب المزيفة للحرب على العراق.

بداية فإن المبررات الأمريكية للعدوان على العراق ومن ثم احتلاله كانت تتمثل في وجود أسلحة دمار شامل عراقية تشكل خطرًا على الشعب الأمريكي ثم على الشعوب المجاورة للعراق، وبديهي أنه لا شأن لأمريكا بالشعوب المجاورة، فهذه مجرد دموع تماسيح، أما خطر تلك الأسلحة على الشعب الأمريكي، فهو خطر مبالغ فيه جدًا لأنه بفرض وجود تلك الأسلحة المزعومة فإنها تحتاج إلى صواريخ عابرة القارات لحملها إلى الولايات المتحدة أو طائرات بعيدة المدى أو تنطلق من حاملات طائرات في المحيط الهادي أو الأطلنطي، وبديهي أن العراق لم تكن تمتلك مثل هذه الصواريخ أو طائرات أو حاملات طائرات، يبقى فقط في هذا الصدد إمكانية حصول إحدى المنظمات الإرهابية على ذلك السلاح من العراق، ومن هنا كان الحديث الأمريكي الموجه للشعب الأمريكي عن وجود علاقات بين الحكومة العراقية السابقة وتنظيم القاعدة، وهي علاقات مزعومة ثبت عدم صحتها فيما بعد، وعرف الجميع أن ذلك لم يكن إلا نوعًا من الكذب على الشعب الأمريكي لتبرير ذهاب الجيش الأمريكي إلى العراق وموت الجنود الأمريكيين هناك لردع خطر محتمل ثبت أنه غير موجود أصلاً.

الأكثر دلالة هنا أنه بعد مرور سنوات وشهور وأيام, وبعد أن فتش الأمريكيون الأرض وتحت الأرض والماء وما تحت الماء في العراق، وبعد أن بسطوا هيمنتهم على كل الأراضي العراقية لم يجدوا شيئًا من هذه الأسلحة المزعومة، وفى تقرير صدر يوم 31 مارس 2005 عن لجنة التحقيق الرئاسية الخاصة بتقويم عمل أجهزة المخابرات الأمريكية، والتي شكلها الرئيس جورج بوش الابن بنفسه قبل ذلك ثبت أن أجهزة المخابرات الأمريكية تجاهلت الآراء المعارضة لوجود برنامج أسلحة دمار شامل في العراق إبان حكم صدام حسين, وأنه تم إغفال أو تحريف تلك الآراء المعارضة خاصة فيما يتعلق بتقرير صادر في أكتوبر 2002 حول وجود أدلة دامغة على سعي العراق للحصول على اليورانيوم من النيجر، وهذا التقرير تحديدًا كان قد تم نقده من قبل, وتحدث المنتقدون عن وجود خلل واضح ومتعمد في الترجمة وفي صحة أسماء رئيس النيجر في ذلك الوقت، بحيث إن أي جهد استخباراتي كان يمكنه اكتشاف عدم صحة هذا التقرير، وإن أجهزة مخابرات أخرى نبهت الأمريكيين والبريطانيين إلى هذا الخلل دون جدوى.

بل إن موضوع هذه الصفقة بين العراق والنيجر كان قد تم تكليف السفير ‘جوزيف ويلسون’ سفير الولايات المتحدة السابق لدى الجابون بالتحري عن هذا الموضوع, وعاد الرجل من مهمته وقال: إن الأمر لم يستغرق وقتًا طويلاً لاستنتاج أن حدوث أي من تلك الصفقات هو محل شك كبير، وتقدم الرجل بنتائج تحقيقاته إلى المخابرات الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية, وتم تجاهل ذلك, بل إن الرئيس الأمريكي برغم ذلك عاد وتحدث عن تلك الصفقة تحديدًا واتهم العراق في خطاب حالة الاتحاد 2003، ويعلق السفير جوزيف ويلسون على ذلك بقوله: لقد دخلنا الحرب بموجب حجج كاذبة, وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أكدت قبل أسابيع من الحرب على العراق أن تقرير صفقة اليورانيوم العراقية مع النيجر ملفق، وكان هانز بليكس كبير مفتشي الأسلحة السابق للأمم المتحدة قد اتهم الولايات المتحدة وبريطانيا والدانمارك بإساءة تفسير التقارير، وأن كولن باول كان يكذب, وأن الأمريكيين كانوا يتلاعبون بصور الأقمار الصناعية.

على كل حال فإنه بعد مرور شهور على الاحتلال كان الأمريكيون والبريطانيون قد توقفوا عن الزعم بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وتم التحقيق في الموضوع, خاصة أن اللجنة الأمريكية للبحث عن تلك الأسلحة – وهي لجنة عسكرية عالية المستوى – بعد أن ثبت لها عدم وجود شيء من تلك الأسلحة، ما دورنا هنا ليس فقط سقوط هذا المبرر، بل إن المسألة تعني أن مؤامرة غزو العراق تم إعدادها مسبقًا، وتم بالتالي اختلاق ذرائع كاذبة والترويج لها، وهذا أثبت صحة نظرية المؤامرة حول هذا الموضوع تحديدًا إنْ لم يكن في كل مجال في إطار علاقتنا مع الغرب وأمريكا.

وقد كشف الصحفي الأمريكي بوب وود في كتابة بعنوان ‘خطة الحرب’ الذي نشر في الولايات المتحدة 2004 أن خطة الحرب على العراق وضعت في 2001, وأن الرئيس الأمريكي ووزير الدفاع وكل المسؤولين تقريبًا كانوا يعرفون عدم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل, وبالتالي فإن خطة الحرب وضعت أولاً ثم تم البحث عن ذرائع لتبريرها.

الذريعة الثانية التي استخدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا لتبرير غزو العراق واحتلاله كانت مسألة النظام الديكتاتوري، وأن الجنود الأمريكان والبريطانيين جاءوا يحملون أعلام الحرية والرخاء والديمقراطية، وبديهي أن السجل الأمريكي القديم والجديد والآني يكذب ذلك الادعاء تمامًا, بدأ ذلك من إبادة الهنود الحمر واستعباد السود, ومرورًا بكل المؤامرات التي حاكتها الولايات المتحدة ضد شعوب العالم – [راجع في هذا الصدد كتابنا جرائم الأمريكان في هذا الزمان الصادر عام 1999م] – وانتهاءً بما حدث من انتهاك وحشي وتعذيب وممارسات بشعة في سجن ‘أبو غريب’ وفي سجون جوانتانامو وفي قتل الأسرى في قلعة جانجي بأفغانستان, وكلها أمور باتت حقيقة معروفة أدانتها منظمات حقوق الإنسان العالمية واعترف بها الأمريكيون والبريطانيون أنفسهم, فضلاً عن أن الولايات المتحدة تدعم ديكتاتوريات أخرى [باكستان وبرويز مشرف أنموذج على ذلك].

وبديهي أن أحدًا لا يصدق الأمريكان بالذات في مسألة تحرير الشعوب الأخرى من الاستبداد, بل إن كل الحكام المستبدين في المنطقة والعالم كانوا في الحقيقة من صنائع أمريكا أصلاً أو أنهم تلقوا دعمًا منها طالما كانوا ينفذون ما هو مطلوب..

هذان التبريران السابقان الساقطان هما كل ما تبرر بها أمريكا غزوها للعراق, ولكن هناك تفسيرات أخرى جزئية يقول بها بعض المحللين مثل محاولات الولايات المتحدة نهب ثروات الشعب العراقي والشعوب عمومًا, ولكنه لا يفسر الموضوع تمامًا. فالولايات المتحدة أنفقت في السنتين الأوليين لاحتلال العراق حوالي 250 مليار دولار غير ما صرفته باقي دول التحالف – وخسرت من الجنود حسب اعترافها 1500 و7000 جريح, والصحيح أضعاف هذا العدد، وبديهي أن نهب الثروات وحده لا يصلح هنا إلا تفسيرًا جزئيًا, فالمسألة في الحساب الاقتصادي خاسرة، ومن التفسيرات أيضًا تأمين تدفق البترول؛ حيث إن العراق تمتلك من 110 إلى 250 مليار برميل احتياطي حسب اختلاف التقديرات، وأن الولايات المتحدة ستحتاج باستمرار إلى تأمين تدفق البترول لزياد استهلاكها وتناقص إنتاجها وللسيطرة على سوق النفط للتحكم في الدول الأخرى خاصةً ألمانيا واليابان – وهذا أيضًا صحيح جزئيًا – لأنه كان من الممكن تأمين كل هذه الأمور بدون غزو، وصدام حسين شخصيًا لم يكن يمانع في إعطاء البترول للأمريكان ولا غيره بالطبع, وكذلك فإن المقاومة العراقية الباسلة تعطل حتى الآن التدفق الآمن لهذا البترول, وهكذا فإن تلك التفسيرات جزئية وليست شاملة ولا يمكنها تفسير كل شيء.

إذن لنبحث عن الأسباب الحقيقية لهذا الغزو ولنضع في اعتبارنا هنا عددًا من الحقائق منها أن الإدارة الأمريكية التي شنت الحرب تابعة لليمين الأصولي الأمريكي، أو ما يسمى جماعة أمريكا القرن الجديد, وهى جماعة نشأت رسميًا عام 1997م ولكن أفكارها كانت موجودة من قبل بالطبع – وخططت ووضعت أبحاثًا تهدف إلى السيطرة على العالم وبناء إمبراطورية حول العالم, وأن خطة غزو العراق ذاتها تمت في أروقة الجماعة عام 1997م وتبناها الرئيس الأمريكي جورج بوش عام 2001م, بل إن تلك الخطة ذاتها قد أرسلت إلى الرئيس بل كلينتون ولم تنفذ، وهكذا فإن السبب الأول الحقيقي للغزو هو الخطة الأمريكية لبناء إمبراطورية أمريكية حول العالم وغزو العراق, ومن ثم ما بعدها جزء من الموضوع، كذلك ترى هذه الجماعة الحاكمة في أمريكا بدءًا من 2001 أن إقامة إسرائيل الكبرى جزء من الواجب الديني المسيحي – الأصولية الإنجيلية – تمهيدًا لمعركة هرمجدون وعودة المسيح فيما يسمى بالألفية السعيدة – وهي خرافات وتحريفات ليس هنا مجال تفنيدها.

إذن فالحرب على العراق هي جزء من تأمين ‘إسرائيل’ وإنهاء وجود قوى عربية يمكن أن تشكل خطرًا على ‘إسرائيل’, ثم الامتداد لتغيير أنظمة الحكم والتوجهات والسيطرة على سوريا ولبنان ومصر والسعودية… إلخ, في إطار تأمين انفراد ‘إسرائيل’ بالهيمنة على المنطقة وتحقيق إسرائيل الكبرى.

السبب الثالث الحقيقي الذي هو التفسير الصحيح والمكافئ والعملي لكل ما حدث ويحدث في المنطقة منذ مئات السنين، هو أن الصراع الحضاري الممتد في التاريخ والجغرافية بين الحضارة الإسلامية بما تمثله من حق وعدل وحرية والحضارة الغربية بما تمتلكه من نهب وعنف ووثنية لم يتوقف قط, وأنه أخذ أشكالاً متعددة منذ البعثة المحمدية ومرورًا بحرب 1000 عام في المغرب والأندلس والحروب الصليبية في المشرق العربي 1095م – 1296م ثم الصراع مع الخلافة العثمانية الباسلة – ثم مرحلة الاستعمار والصهيونية منذ 1798م وحتى الآن، وأن العدوان الأمريكي على العراق هو آخر مظاهر ومراحل الحرب الصليبية من الغرب على العالم الإسلامي, ولعل هذا يفسر سر تشبث الغرب وأمريكا بالبقاء في العراق رغم الخسائر الاقتصادية والبشرية الهائلة – وهكذا فإن المقاومة العراقية الباسلة هي دفاع عن الأمة كلها – تاريخها وحاضرها ومستقبلها – ولعل ما قاله جورج بوش بنفسه عن أنها حرب صليبية هي زلة لسان عبرت عن الحقيقة دون أن يدري, وهو ذاته معروف بميوله الصليبية وتحويل البيت الأبيض إلى كنيسة, وسيطر القسس المتطرفون والداعون علنًا إلى الحرب على الإسلام من أمثال جيرى فالويل وبات روبرتسون على القرار الأمريكي، وعلى كل حال فإن صحيفة دير شبيجل الألمانية ذاتها قالت: ‘إنها حرب جورج بوش الصليبية، وإن بوش يرى المسيح كجنرال بخمسة نجوم’. ويقول البروفوسير إليوت كوهين: ‘إن أمريكا تعتبر نفسها تخوض الحرب العالمية الرابعة ضد العالم الإسلامي تحت اسم مواجهة ‘الإرهاب الإسلامي’ على أساس أن الحرب العالمية الثالثة كانت هي الحرب الباردة ضد الشيوعية, وأن أمريكا والغرب قد حققا فيها انتصارًا ساحقًا’. ويقول هنرى كيسنجر – أحد حكماء الغرب والمعبرين عن حقيقة أهدافه وطريقة تفكيره-: ‘إن هزيمة أمريكا في العراق معناه خسارة الغرب كل ما حققه في خمسة قرون’. ويقول تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا: ‘إن هزيمة أمريكا في العراق هزيمة للغرب كله’..

المصدر: مفكرة الإسلام

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *