الأهمية الكبرى لعملية فندق فلسطين ببغداد

بقلم: طلعت رميح

قبل أيام من وقوع عملية فندق فلسطين في بغداد كانت حالة من النشوة السياسية الزائفة قد تلبّست بعض رموز الحكم العميل للاحتلال في العراق؛ بسبب مرور يوم التصويت على الدستور دون عمليات كبرى – رغم أن المقاومة تقصد عدم القيام بعمليات يوم التصويت حتى لا تأثم بقتل عراقيين أبرياء ـ مما دفع بعض العملاء للإدلاء بمعلومات خطيرة وهامة، حيث قال أحدهم بأن العمليات خلال الانتخابات البرلمانية في مطلع العام كانت بمعدل 300 عملية يومية، وأنها قلّت عن معدل 100 عملية في اليوم خلال فترة الاستفتاء؛ وبسبب قدوم ‘عمرو موسى’ إلى بغداد متحدثًا عن ‘عراق جديد’، بما يعني انتقال الجامعة العربية من الاعتراف بالسلطة التي أقامها الاحتلال ـ وإن على مضض ـ إلى السعي للتعاون معها وتثبيت صورتها العربية والدولية.

كما سبق العملية هجوم سياسي أمريكي باتجاه سوريا، بما أشار إلى انتقال التركيز الإعلامي عن المقاومة العراقية بفتح معركة جديدة يتوقع لها أن تكون ساخنة.

وهنا جاءت العملية لتحدث زلزالاً كبيرًا جعل جميع المحطات الفضائية تنقل الحدث في بث مباشر، كما هي أصابت الجيش الأمريكي ‘بالخرس’، حيث لم تصدر أية تعليقات على العملية لعدة ساعات، وكذلك كانت حالة المسئولين في السلطة العميلة للاحتلال.

مؤشرات العملية

من ناحية جدة الحدث، فإن فندق ‘فلسطين’ ليس جديدًا أن تجرى به عمليات مقاومة، فهو كان هدفًا من قبل ولعدة مرات لمثل هذه العمليات، بل كانت العمليات ضده شهيرة، كما أن الفنادق التي تأوي الغزاة الأمريكيين بالإجمال كانت قد شهدت من قبل عمليات ـ المعروف منها وغير المعروف ـ بل كانت عمليات الفنادق هي الأشهر في عمليات المقاومة لفترة زمنية طويلة، وكانت تطال أصحاب شركات توريد المرتزقة من العسكريين الأمريكيين والبريطانيين السابقين العاملين في شركات توفر الحماية للخونة والعملاء من مسئولي الحكومة العراقية. والملاحظة الأهم في مكان العملية أنها جرت في منطقة تضم عدة فنادق لا فندقًا واحدًا، بما يعني إنها شديدة التحصين، وأنها جرت ضد مكان لا يتواجد فيه إلا مختلف صنوف عناصر الاحتلال وأعوانه أو قوات الاحتلال ووكلاء الشركات الأمريكية ومديري شركات الحراسة، كما هو مثل رسالة حاسمة لأجهزة الإعلام الغربية التي تحاول الإيهام بنجاح ما يسمى بالعملية السياسية.

ومن ناحية الوسيلة المستخدمة في العملية، أي السيارات التي يقودها استشهاديون، فإن استخدام هذه الوسيلة لم ينقطع أبدًا في بغداد وغيرها من المدن العراقية منذ احتلال بغداد وحتى الآن، بما يشير إلى أن هذه الوسيلة يثبت في كل مرة أنها وسيلة لم تتمكن قوات الاحتلال من إيجاد وسائل لمواجهتها، رغم كل الأحاديث عن التكنولوجيا المتقدمة وقصص وروايات حول قدرات التكنولوجيا ومدى توفرها لدى الولايات المتحدة، وبما يثبت أن المقاومة العراقية تتزايد قدراتها العسكرية في استخدام نفس الأسلوب مع تطويره الدائم، بما يجعل الخصم غير قادر على مواجهته، كما أن العملية تؤكد مجددًا أن المقاومة تملك مددًا لا ينقطع من الاستشهاديين.

ومن ناحية التكتيك المستخدم، فإن الوصف الأولي للعملية يشير إلى عملية مركبة معقدة نُفذت بمجموعات كبيرة تحت قيادة واحدة، في حالة شبيهة بعملية المقاومة منذ نحو العام ضد سجن ‘أبو غريب’.

العملية بدأت بتفجير سيارة قريبة من مكان الفندق قرب وزارة الزراعة، كان هدف تفجيرها هو خلخلة الأمن الموجود أمام الفندق، وجذب الانتباه إلى مكان تفجير هذه السيارة وجذب القوات إلى مكانها؛ باعتبار أن هذه القوات هي الأقرب إلى موقع العملية. وتلي تفجير السيارة الأولى قصف بالهاون من بُعد على الفندق حتى يندفع الكثيرون إلى الخروج من داخل الفندق تحت القصف طلبًا للنجاة، ثم تلي ذلك هجوم استشهادي بسيارة على الحاجز في بداية الطوق الأمني حول الفندق؛ بهدف القضاء على نقطة الحراسة وفتح ثغرة لمرور السيارة الأكبر والمحمَّلة بأكبر قدر من المتفجرات، التي مرت وسط ذهول وهلع الجميع لتحدث هذا التفجير الكبير والخطير، كما ذكرت وكالات الأنباء والفضائيات أن اشتباكًا بالأسلحة الرشاشة جرى بالتزامن مع كل ذلك. وهذه العملية تذكّر بعملية سجن ‘أبو غريب’، التي شملت قصف بالهاون واستخدام سيارات يقودها استشهاديون على مختلف بوابات الفندق، مع تبادل لإطلاق الرصاص مع الجنود الأمريكان لحظة الاقتحام في عملية اقتحام راجلة.

والملاحظات الجديرة بالاهتمام والتوضيح هنا أن المعنى الأولي للعملية أنها تشير إلى فشل الحملة التي قامت بها قوات الاحتلال والقوات العميلة في بغداد من قبل [عملية ‘برق بغداد’]، والتي جرى خلالها حصار مكثف وتقطيع أوصال العاصمة وإقامة الحواجز، والتي صدرت طنطنات كثيرة بشأن نجاحها، وقد استخدمت فيها وسائل الحرب النفسية على أوسع نطاق. إذ تعود المقاومة بهذه العملية، ليس فقط من آخر نقطة وصلتها قبل عملية ‘برق بغداد’، بل هي تندفع معلنة أنها باتت أقوى؛ بحكم أن العملية هي في أشد مناطق العاصمة العراقية على صعيد السيطرة العسكرية الأمريكية، وكذا بحكم أنها منطقة تقع تحت تسليط إعلامي ضخم، وبالنظر إلى أن المقاومة في هذه العملية لم تتوقف عند حدود قصف بالصواريخ من بُعد، كما كان الحال في العملية التي طالت الفندق من قبل خلال وجود نائب وزير الدفاع الأمريكي، بل هي في هذه المرة وصلت قلب الهدف، كما أرادت وخططت.

ومن ناحية الارتباط بين العملية والظرف السياسي أو على صعيد الربط بين الظروف السياسية والتكتيك العسكري، فإن العملية تُقدم رسائل في عدة اتجاهات، إذ هي جاءت قبل ساعات من إعلان نتائج الاستفتاء المسرحي على دستور الاحتلال ـ وهي جاءت بطبيعة الحال بعدما قلّلت المقاومة عملياتها يوم الاستفتاء ـ لتئد تلك النتائج الانتخابية وتبعاتها الإعلامية قبل أن تولد. والعملية جاءت بعد أيام من ظهور الرئيس الشرعي للعراق ‘صدام حسين’ خلال المحاكمة الهزلية التي جرت له؛ لتؤكد أن المقاومة حاضرة داخل المحكمة وخارجها على الأرض. إذ ظهر صدام متحديًا وجود الاحتلال وقوته. وهي جاءت خلال زيارة أمين عام الجامعة العربية إلى بغداد، وبعدما أعلن عن ‘عراق جديد’ سيجري التعامل معه، بما يعني أن المقاومة أرادت توجيه رسالة إلى ‘عمرو موسى’ بأن ‘العراق الجديد’ هو عراق المقاومة لا عراق الخونة والعملاء أو العراق المحتل، وأن لا أحد قادر على تجاهل المقاومة لا قوات الاحتلال ولا الجامعة العربية، وأنها هي ـ وهي وحدها ـ القوة الفاعلة على الأرض، وأنها قادرة على أن تصل إلى ما تريد ومن تريد.

العملية والوضع الخارجي

جاءت العملية ودمشق تواجه تصعيدًا خطيرًا ضدها، وهنا اختارت المقاومة أن توجّه ضربتها في قلب العاصمة العراقية لا قرب الحدود السورية، حتى لا تعطي الفرصة لقوات الاحتلال للزعم بأن العملية قام بها قادمون عبر سوريا. وجاءت العملية بعد أن وصل فزع النظم العربية حدًا غير مسبوق من استمرار أوضاع العراق على هذه الحالة، أو بعدما وصلت الحكومات العربية إلى نتيجة مفادُها أن الاحتلال الأمريكي ضعُف، وأنه بات مستعدًا لقبول آراء النظم العربية، ومن ثَم هي جاءت لتؤكد أن الاحتلال لم يضعُف فقط، بل إن الأيدي العربية التي تحاول الامتداد لتحقيق مصالح ضيقة ـ مثل الحفاظ على أمنها هي أو لإنقاذ الاحتلال في العراق لتحصل هي على مقابل في قضايا أخرى ـ ستغرق مع الاحتلال.

وجاءت العملية بعدما بات الهجوم العربي على النفوذ والدور الإيراني في العراق هجومًا كاسحًا وظاهرًا ومباشرًا؛ لتستثمر المقاومة هذه الحالة في تحقيق مزيد من العزلة والإضعاف للفئات المرتبطة بإيران على الأرض العراقية، والتي وصلت إلى الحكم من خلال الجعفري واللائحة الشيعية، حيث العملية تؤكد فشل هؤلاء في مواجهة المقاومة.

كما جاءت العملية في هذا المكان تحديدًا لتحدث دويًا إعلاميًا كبيرًا يصل إلى داخل الولايات المتحدة؛ لتعميق حالة التراجع في شعبية بوش، ولإضافة الزيت على النار المشتعلة تحت كرسي بوش بفعل الملاحقة القضائية الحالية لزعيم الكتلة الجمهورية في مجلس الشيوخ، وبالنظر إلى ملاحقة قضائية وشيكة أخرى لأحد مساعدي بوش بتهمة إفشاء اسم عميلة للمخابرات الأمريكية، والتي تتوقع بعض الدوائر أن تطيح ببوش نفسه.

دلالات العملية

يظهر من متابعة العملية في لحظاتها الأولى أن لهذه العملية دلالات مهمة نوجزها فيما يلي:

أولاً: أن المقاومة كلما تحدّث بعض من قادة حكومة العملاء أنها تخبو أو تضعف، فإنها تفاجئ الجميع بتواصل عملياتها وبقدرة أعلى على هزيمة كل الادعاءات.

ثانيًا: أن المقاومة في المرحلة الاستراتيجية الثانية من مراحل تحرير العراق قد عززت تحقيق أهدافها، وعلى رأس هذه الأهداف إنهاك قوات الاحتلال، والتحول في العمل العسكري إلى العمليات المركّبة والمعقدة، والتي هي ذات تأثير أخطر على قوات الاحتلال؛ باعتبار أن تأثيرها النفسي أخطر وإصاباتها أكبر وقدرتها على خلخلة صفوف القوات العميلة وقوات الاحتلال أكثر جسامة، وأنها تمكّنت من تطوير أجهزتها الأمنية والعسكرية إلى مستوى عالٍ.

ثالثًا: أن المقاومة تثبت قدرتها بأنها قادرة على الربط بين التكتيك السياسي أو الظرف السياسي والعمل العسكري، بما يعني ضمنيًا وبالدرجة الأولى أنها ذات قدرة على القيام بعملياتها في أية لحظة متى أرادت، وأنها ذات قدرة على إفشال أية خطوات سياسية بالقوة العسكرية؛ بما يعني أيضًا أن الاحتلال سيظل يعيش دورة مفرغة، حتى وإن حاولت الجامعة العربية إنقاذه.

المصدر: مفكرة الإسلام

رأيان على “الأهمية الكبرى لعملية فندق فلسطين ببغداد”

  1. النظرة المبدأية للتحليل الذي ذكرته يجعل الشخص لا يكمل القراءة لأنك تصف من يقتل الأبرياء بالمقاومين !

    هذه بداية ..

    الأمر الآخر ..

    هو انتقال العملية من العاصمة العراقية “بغداد” إلى العاصمة الأردنية “عمّان” .

    و هذا ما يفند مقولتك أو ما ذكر في هذ الموضوع بأن المقاومة تسير على خطى ثابتة ! ، بل هي تسير في خطى الانتهاء ، و طبعاً عندما يصل الإنسان لحد الإنتهاء فهو بلا شك يقوم بإخراج ما لم يتمكن من استخدامه في السابق ليقول للناس بأننا هنا فيما هو واضح بأن الناس تعرف بأنه يعيش أيامه الأخيرة ..

    في النهاية المقاومة هي مقاومة الإحتلال الأمريكي أينما وجد و مقاومة الإحتلال الإسرائيلي أينما وجد ، أما أن تنسب عمليات قتل الأبرياء في المساجد و تجمعات المواصلات إلى المقاومة ! فهذا خطأ جسيم و الإسلام منهم براء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *