بلاد العجائب وحكاية الهلال!

بقلم/ نور محمد جمعة ـ باكستان
(دكتوراه في الأدب العربي)
ahmadju@yahoo.com

يهل علينا هلال رمضان ليجدد ذكريات مريرة عشناها على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية من جهة, ولتذكرنا ببعض الانفكاك الصامت في المجتمع الإسلامي والشعب المسلم.

يأتي هلال رمضان في كل عام منذ ما حدّ الاستعمار البريطاني الحدود ووضع الثغور وفجّر ألغام الخلافات السياسية لتثير الأضغان والتشاحنات السياسية في ثوب شرعي يسمى ‘اختلاف المطالع’.

لست من أهل التخصص لأخوض في هذا الباب الذي لم يحفظ لنا التاريخ شيئًا نعتد به إلا رواية في سنن أبي داود تصور حالة لم يكن منها بد, وذلك نتيجة فقدان نظام الاتصالات والمواصلات السريعة.

لكن كوني في جزء من بلاد الأعاجيب ـ أي بلاد الهند والسند كما كان العربي يسميها قديمًا ـ أذكر شيئًا مما حدث هنا في باكستان!

في زمن حكم الديكتاتور العسكري أيوب خان وشى بعض النجوميين إليه بأنه إذا أصبح رمضان هذا العام 29 يومًا وأصبح يوم الجمعة يوم عيد فهذا يعني زوال ملكك وذهاب سلطانك!

فخاف أيوب خان وحشد الجماهير من علماء السلطان ليمهدوا له من بداية الشهر ويجعلوا رمضان ثلاثين يومًا ليكون العيد في يوم السبت, وبذلك يضمن بقاء حكمه!

وقد وفق في سياسته هذه وأقنع الشعب كلهم بأن الدراسات الفلكية وحركة النجوم تشير إلى أن رمضان سيكون ثلاثين يومًا.

لكن المفاجأة صنعها هلال شوال؛ إذ خرج مساء الخميس يضحك على السلطان وكل من أعانه، وقد رآه الجميع وكان واضحًا إلى درجة كاد يراه حتى العميان!

فاستغل الإسلاميون الذين كانوا يعارضون الحكومة وحشدوا جماهير الشعب إلى صلاة العيد في يوم الجمعة. لكن الحكومة والجهات الرسمية رفضت إلا أن تعلن؛ بأن العيد يوم السبت ‘رغم أنف الهلال’, وسوف تقام صلاة العيد في الساحة الكبيرة في كراتشي العاصمة في تلك الأيام..

وبالفعل أقامت الحكومة صلاة العيد في يوم السبت, وأجبرت جميع موظفي الدوائر الرسمية للحضور, كما أجبرت أحد علماء السلطان ليخطب للعيد ويؤم الناس.

لكن المضحك المبكي حدث عندما شعر الإمام بالذنب في الصلاة فترك الناس في السجدة وولّى هاربًا!! فبقي الناس في السجود, ولما طال بهم الأمر رفع أحد الوزراء رأسه فلم يجد إمامًا! وبهذا سقط الأمر في أيدي الحكومة!

قبل سنتين – أي في 2003م – بعد ما استقرت الأمور وهدأت مسألة تعدد الصيام ومن ثم تعدد العيد ـ في هذا البلد الذي أصبحت في بعض السنوات تقام صلاة العيد ثلاث مرات في ثلاثة أيام متوالية في المدينة الواحدة! ـ وقد شكلت لجنة لرؤية الهلال تتشكل من جميع المذاهب الفقهية والسياسية، وعين أحد المشايخ رئيسًا على اللجنة.

وبقي الناس ينتظرون خبر اللجنة عسى أن يتوحد البلد في الصيام والعيد. وبحمد الله عز وجل وصلت شهادات رؤية هلال من المناطق الشمالية ‘بيشاور، ومردان، وسوات و…’, والجنوبية ‘بلوشستان’ إلى اللجنة وكانت هي مطابقة للرؤية في السعودية والبلاد العربية، فهنأ رئيس اللجنة أسرته وأصدقاءه بإهلال شهر رمضان وطلب التلفاز الرسمي ‘PTV’ لعقد لقاء معه يعلن فيه عن رمضان، وقبل أن يتم اللقاء تلقى رئيس اللجنة مكالمة مشبوهة ـ إلى الآن لم يكشف عن محتواها ـ أعلن الرئيس على إثرها: بما أنه لم يثبت رؤية الهلال في أية نقطة من البلد فسيكون رمضان بعد غد، وغدًا هو آخر يوم من شهر شعبان المبارك، ونحن نعيش في باكستان فلا يجوز لنا أن نصوم مع البلاد العربية أو السعودية!!

وبقي الناس في حيص بيص شديد، وحدثت انشقاقات في اللجنة، وصامت المناطق الشمالية والجنوبية اعتمادًا على رؤيتهم التي تتفق دائمًا مع الرؤية في البلاد العربية والإسلامية, ولم تصم الحكومة ولا من ذهب مذهبها!

والغريب في الأمر ما يقال أن رئيس لجنة الهلال نفسه صام في اليوم الذي أعلن أنه لا يجوز الصوم فيه!

ولما التقت معه القناة التلفزيونية ‘جيو’ رفض أن يكشف ما دار بينه وبين مخاطبه المجهول، في الاتصال المشبوه.

فعاد الأمر إلى ما كان؛ تصوم أقاليم بلوشستان الصحراوية والأقاليم الشمالية الجبلية مع رؤيتهم التي لم يحدث أن عارضت رؤية سائر البلاد الإسلامي, وتؤخر العاصمة ومن تبعها صيامهم يومًا أو يومين ضاربين بكل الشهادات التي تصلهم عرض الحائط!

وفي هذه السنة ‘2005م’ – وقد حدث اقتراب سياسي بين باكستان وإسرائيل, وقطعت باكستان شوطًا كبيرًا نحو الخنوع للغرب والابتعاد عن السمة الإسلامية – كان ولابد أن يحدث ما يحدث كل سنة من العجائب.. وقد حدث!!

في صمت تام أخرت الحكومة الصيام يومين خلافًا لأفغانستان التي تصافح الهند! وإن كانت قاب قوسين أو أدنى.. وخلافًا للسعودية التي بها مشاعر الإسلام, وخلافًا للشعب العراقي الذي يأبى السيطرة الأمريكية, وخلافًا لـ… فهل كان ذلك إرضاءً لإسرائيل كما يزعم بعض العوام هنا؟! أم كان نتيجة لاختلاف المطالع، فالهلال ظهر مساء الاثنين في بعض المدن, ومساء الثلاثاء في الأخرى, ومساء الأربعاء في العاصمة..

فهنيئًا لبلاد العجائب.. ثلاثة أشهر رمضان، وثلاثة أعياد فطر, ومن ثم ثلاث ليالي قدر, وبالتالي ثلاثة أيام لصيام عرفة, وثلاثة أيام لعيد الأضحى, وثلاثة أخرى لصيام تاسوعاء ومثلها لصيام عاشوراء وهلم جرًا.. اللهم زد وبارك..

ولعل سر كل ذلك يكمن في تسمية العرب لهذه البلاد ببلاد العجائب!

المصدر: مفكرة الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *