انتحار كنعان: كلام بشار وتقرير النيوزويك

بقلم: طلعت رميح

منذ أيام غادر عالمنا غازي كنعان وزير الداخلية السوري والرجل الأشهر في لبنان لسنوات طويلة. حسب الرواية الرسمية فإن الرجل انتحر، وحسب بعض الدوائر التي تعودت أن لا تثق في أي بيان يصدر عن الجهات الرسمية عن حالات انتحار المسؤولين فإن غازي كنعان إما نحر وإما دفع للانتحار. غير أن الأهم فيما جرى في قضية موت كنعان هو أن الحادث جرى قبل أيام من صدور التقرير النهائي لرئيس لجنة التحقيق الدولية ‘ميليس’ بشأن اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق. والأرجح أن كنعان غادر الحياة بيده أو بيد غيره دفعًا أو نحرًا على خلفية هذا التقرير، بعد أن أكدت النيوزويك أن التقرير النهائي لميليس سيحوي اتهامًا لسوريا بالضلوع في اغتيال الحريري، وبعد أن أعلن الرئيس السوري في حديث لشبكة CNN أنه إذا ثبت أن ‘مواطنًا’ سوريًا شارك في الجريمة فلابد أن يعاقب، وأنه إذا لم يعاقب دوليًا فإنه سيعاقب سوريًا، بما جعل كنعان يرى أنه المرشح رقم واحد في لبنان وسوريا للاتهام من قبل ميليس بحكم طبيعة منصبه ودوره في لبنان، لأنه أيقن أن لا محالة سيكون كبش الفداء أو عربون الضعف أو نقطة القصاص الأولى في السلم المعد في الهجوم على القيادات السورية.

تقرير النيوزويك قال: إن ‘مصادر حكومية أمريكية كانت تعتزم شن غارات جوية على سوريا تستهدف مراكز المسلحين الذين ينفذون هجمات جوية ضد العراق’. وأن ‘كونداليزا رايس’ وزيرة الخارجية الأمريكية تمكنت – خلال اجتماع لمسؤولين أمريكيين عقد في الأول من أكتوبر الحالي – من إقناع مؤيدي شن هذه الغارات بالتخلي عن عزمهم, معتبرة أن عزل سوريا سياسيًا في حال اتهامها تقرير للأمم المتحدة بالتورط في اغتيال الحريري سيكون أشد فعالية من عمل عسكري’.

وتصريحات الرئيس السوري كانت إشارة أخطر على نية الرئيس السوري أن يقدم من يثبت تقرير ميليس أنه شارك في عملية الاغتيال، إلى المحاكمة داخليًا أو خارجيًا، إذ قال – مع ملاحظة دلالة أن الحديث كان مع CNN- إنه يستبعد أن يكون سوري ضالعًا في جريمة اغتيال الحريري وإن مثل هذه المشاركة تعتبر جريمة وإنه سيقدم أي سوري يثبت تورطه للمحاكمة في سوريا إن لم يحاكم في الخارج.

ومن ثم وبغض النظر عما جاء في تقرير النيوزويك عن حكاية الهجوم على قواعد ‘المسلحين’، وكذا بغض النظر عما قاله الرئيس السوري ككلام عام، فإن كنعان فهم أن اللعبة ستجري ضد سوريا من بوابة تقرير ميليس، وأن الحكم في سوريا سيدافع عن نفسه برمي أبنائه للكلاب تنهشه، أو أن كنعان تخوف من أن يلقى مصير المتهمين الليبيين في حادث لوكيبري إن لم يكن أسوا, حيث قايض النظام الليبي على بقائه بتسليم المتهمين. وربما كان الضاغط أكثر في كلا الحالتين على نفس الرجل أن من قتل رفيق الحريري حر طليق محمي داخل الدوائر الأمريكية أو الصهيونية.

لبنان والتحضير للقادم:

وواقع الحال أن سوريا بالقراءة المتأنية للأوضاع وبقراءة الاستراتيجية السورية في مواجهة الأزمة، لن تقدم إلا على تنفيذ ما سيأتي به تقرير ميليس، إذ هي ترى أن القادم لها من ضربة مباشرة سيأتي من البوابة اللبنانية، حيث هي تتابع المشهد اللبناني وترى كل شيء يرتب لكي تكون لبنان نقطة الوثوب على سوريا في المرحلة القادمة خاصة بعد بدء الهجوم على المخيمات الفلسطينية والمطالبة بنزع أسلحتها مع ربط المخيمات وسلاحها وكذا الفصائل الفلسطينية على الأرض اللبنانية بسوريا. وبشيء من التفصيل فإن سوريا تفهم ما يجري في لبنان على أنه جزء مما يجري في المنطقة العربية والإسلامية بإجماليتها، أو مما يجرى من تغيير استراتيجي كبير لكل الأوضاع في المنطقة وأن المطلوب هو إدارة سوريا بلبنان وإدارة لبنان بسوريا لإحداث تغيير شامل في كلا البلدين.

كما تدرك سوريا بأنه إذا كان العراق قد شهد مثل هذا النمط من التغيير باستخدام العنف والقوة المسلحة فان دولا أخرى ستشهد نفس درجة هذا التغيير دون استخدام نفس آليات أو أسلوب التغيير، وأن الحديث عن لبنان وما يجري فيه هو حديث عن نفس التغيير الذي جرى في العراق وفي نفس اتجاهه، أو أنه يشهد إحداث تغييرات جذرية كبرى وإن اختلف أسلوب التغيير ‘وكما هو معروف فإن التحقيق للخطة الاستراتيجية بشكل ناجح هو التمكن من تحقيق أهدافها بأقل قدر من بذل القوة والجهد لا أكثره’, وهي تدرك أن التغيير الحادث في لبنان هو التغيير الاستراتيجي الثاني في محيطها والذي لابد أن يطالها، وأنها لا تملك إلا لعبة المساومة والتنازلات التدريجية في الوقت الراهن على أمل تغيير الأوضاع في المستقبل.

ولاشك أن سوريا تقرأ الآن أن التغيير في لبنان قد دخل مرحلة مهمة، وأنه بدأ يدخل في ملف شائك جديد – بعد الملف السوري المباشر – وفي نفس الاتجاه الذي بدأ مع اغتيال الحريري وحتى الآن، وأنه إذا كان التغيير في لبنان وإخراج القوات السورية قد بدأ بتفجير الحريري فإن هذا التغيير وصل الآن إلى محطة باتت تتطلب تفجيرًا جديدًا على نفس المستوى إن لم يكن أكبر، لإحداث ضغط آخر على سوريا وتهديدها وحصارها وإسقاط نظام الحكم فيها.

والتفجير القادم الذي نقصده لن يكون على نمط التفجيرات الجارية منذ التفجير الذي اغتيل فيه رئيس الوزراء اللبناني السباق رفيق الحريري ولن يكون مثل التفجيرات التي تتالت من بعد، إذ كل تلك التفجيرات كانت وستظل نوعًا من الإعداد للتفجير الأكبر الذي نقصده هنا. التفجير القادم سيكون تفجيرًا تشارك فيه قوى متعددة ولن يقتصر على عملية هنا أو هناك كما هو الحال الراهن الذي سميناه من قبل إعداد للحرب الأهلية على نار هادئة.

التفجير القادم بدأت ملامحه في الظهور الآن من خلال تصعيد الضغوط على المخيمات الفلسطينية وابتداع أشكال من التضييق والضغط على عناصر الفصائل الفلسطينية المتواجدة داخل المخيمات أو على الأراضي اللبنانية مع ربط كل الأمور بسوريا، حيث من يتابع الساحة اللبنانية يلحظ أن نغمة الحوار والصراع حول سلاح المخيمات قد عادت للتصاعد بشكل مكثف, كما يلحظ توتر الأجواء مع شائعات عن قرب إنزال صهيوني ضد المخيمات تبعها انتشار الجيش اللبناني حول المخيمات والإعلان عن إعطائه أوامر بالتصدي لعمليات الإنزال الإسرائيلية. وإذا كان البعض رأى أن تلك الشائعات وذاك الاستنفار الأمني هو إعلان من السلطة اللبنانية بأنها لا تتخلى عن واجبها تجاه ‘الضيوف’ الفلسطينيين على الأرض اللبنانية، فإن البعض الآخر رآها مجرد مناورة لإفقاد الفصائل الفلسطينية مبرر امتلاك السلاح على الأرض اللبنانية من خلال القول بأن الجيش اللبناني هو من يحميهم وليس سلاح الفصائل.

كما أن من يتابع ما يجرى في لبنان يلحظ أن الوضع قد تخطى المراحل السابقة التي أثير فيها سلاح المخيمات وأن إثارته هذه المرة لم يتزامن معها فقط نشر قوات لبنانية جاهزة للقتال، بل إن الوضع الفلسطيني على الأرض اللبنانية أصبح على المحك؛ إذ بدأت حالة احتكاك متصاعدة مع مقاومين أو أعضاء فصائل فلسطينية خاصة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وإذا كانت وسائل الإعلام اللبنانية قد طنطنت حول لقاء رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة مع الفصائل الفلسطينية «للبحث في التدابير الأمنية» في شأن المخيمات والقواعد الفلسطينية في لبنان، فإن ما هو متناثر عن موقف رئيس الوزراء اللبناني يؤكد أن السنيورة رفع في جلسة خاصة لمناقشة الملف الأمني «سقف الموقف السياسي الحكومي من هذا الملف إلى ذروة لم يسبق لها مثيل». بل هناك من يرى أن إصلاح الجهاز الأمني وحركة التغييرات التي جرت مؤخرًا تأتي على خلفية بدء عملية واسعة النطاق ضد المخيمات الفلسطينية تحت اتهام مباشر لسوريا بتهريب أسلحة إلى المخيمات الفلسطينية. وذلك أنه إذا كان السنيورة قال: إن «التغني بإحكام الأمن في المرحلة الماضية كان في ظل التبادلية المفروضة مقابل سيطرة النظام الأمني على الحياة السياسية والإفساد المتزايد للحياة الاقتصادية وكذلك التعرض لحريات الناس وكراماتهم» في إشارة إلى النظام الموالي لسوريا خلال فترة ما قبل الانسحاب، فإن المتابع لما يجري على الساحة السياسية يؤكد أن اللعبة في هذه المرة ستكون باتجاه سوريا أيضًا، ذلك أن التصريحات الصادرة عن أركان الحكم حاليًا باتت كلها تركز على قضية المخيمات الفلسطينية وسلاحها بالارتباط مع سوريا، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة اللبناني نفسه الذي أكد رفضه احتفاظ الفلسطينيين في لبنان بأسلحة خارج مخيماتهم, معربًا عن أمله بحل المسألة مع الفصائل الموالية لسوريا بالحوار وداعيًا دمشق إلى استخدام علاقاتها بهذه الفصائل لضبط النفس، كما هو قال لمحطة المؤسسة اللبنانية للإرسال ‘إل بي سي’ في برنامج تلفزيوني: ‘ليس هناك من مصلحة أو داع لوجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. هذا أمر يجب أن يكون واضحًا’، وأنه يجب أن نضع حداً نهائيًا له، كما طالب القيادة السورية باستخدام علاقاتها بهذه الفصائل لضبط النفس.

وأوضح أنه طرح الموضوع مع المسؤولين السوريين خلال زيارته دمشق فور تسلمه منصبه، وقال: ‘كان هناك استماع ولكن لم يحصل تجاوب’.

رد الفعل السوري والفلسطيني:

السلطة الفلسطينية أدركت أن الأمر مرشح للتصاعد، ومن ثم أجرى مستشار رئيس السلطة الفلسطينية، سميح عبد الفتاح اتصالين بكل من الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، والنائب بطرس حرب، ونقل إليهما رسالة من عباس مفادها أن السلطة الفلسطينية حريصة على العلاقات الوطيدة مع لبنان، وعلى أمنه واستقراره، وأنها لا تريد بأي شكل من الأشكال أن تكون طرفاً في السجال القائم حول السلاح الموجود في أيدي الفصائل الفلسطينية. ولفت عبد الفتاح إلى أن السلطة الفلسطينية ترفض المواقف الأخيرة لبعض الفصائل الفلسطينية التي حملت تهديداً للبنان وحكومته، مؤكداً أنها في صدد حوار مع الحكومة اللبنانية في شأن مجمل الملف الفلسطيني، لا سيما وضع المخيمات، وموضوع السلاح.

كما شدد عبد الفتاح على أن الرئيس الفلسطيني ينوي المباشرة في وقت قريب بحوار فلسطيني داخلي يتناول المواضيع المطروحة، ومنها موضوع السلاح. وبهذا حاولت السلطة الفلسطينية إخراج نفسها من اللعبة القادمة في لبنان لتترك سوريا ودها ‘متهمة’.

أما رد الفعل السوري فقد تمثل في تصريحات رسمية اتهمت السفارتين الأمريكية والفرنسية بإدارة لبنان لا الحكومة اللبنانية، كما رفض رئيس الوزراء السوري الرد على المكالمات الهاتفية من رئيس الوزراء اللبناني، وذلك بعد أن أدركت سوريا إمكانية أن تكون الحكومة اللبنانية أو بعض الأطراف المشاركة فيها ضمن الأصوات الداعية إلى حصار سوريا بعد تقرير ميليس، وأن هذه الأطراف تحضر الآن لإدخال سوريا في الملف الصراع المقبل داخل لبنان حول المخيمات.

المصدر: مفكرة الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *