تمتمة في الظلام!!

قابلت منذ فترة أحد رؤساء الورديات في الشركة التي أعمل بها وهو شاب يبلغ من العمر 26 سنة فقط وهو لم يتجاوز في تعليمه الثانوية العامة.. ورغم ذلك أصبح منافساً للمهندسين.. وهو من الأشخاص الذين يشهد لهم البعيد قبل القريب بالكفاءة العالية في أداء مهام عمله وعلى أكمل وجه.. وأخذت بالتحدث معه على وضعه في الشركة وكيف أنه يعتبر من الأشخاص الذين حصلوا على الثقة العالية من قبل إدارة الشركة وأن زملائه يغبطونه بسبب ما وصل إليه.. وأنه في فترة خمس سنوات فقط وصل إلى منصب مرموق بتوفيق الله أولاً ثم باجتهادة وحبه للتعلم والاستفادة من خبرات الآخرين..

تنهد تنهيدة عميقة أحسست أن أضلاعه تكاد تنخلع وهو يتمتم “لا أعرف إن كنت مخطئاً في اجتهادي أم لا”.. صعقت لإجابته!! قلت له: “ماذا تقول؟؟.. أنت!! جميع زملائك يغبطونك لما وصلت إليه وأنت تقول مثل هذا الكلام؟؟”.. أخذ يبدأ بالصراخ وهو يقول: “نعم إني أفكر بأنني كنت مخطئاً.. بل أنا كذلك.. فهذه السنوات الخمس التي كافحت فيها وأجتهدت إجتهاداً أحسد عليه.. ولكن!!.. قلي بالله عليك.. أنت مهندس وراتبك ما شاء الله يعادل راتبي مرتين.. ورغم ذلك لا أريد أن يعطوني مثله.. ولكن من الإنصاف والعدل أن أكون أعلى من زملائي الآخرين على الأقل”.. قلت له: “أحقاً ما تقول؟”.. قال: “نعم.. وأنا أحصل على راتب أكثر بحوالي 10% من زملائي.. وهذا ليس بالعدل.. فكثير من زملائي لم يقدم عشر ما قدمته للشركة.. ومع ذلك نكاد أن نكون متساويين في الدخل.. أهذا عدل؟؟ أهذا إنصاف لمن بذل جهده من أجل شركته؟؟”.. قلت: “لماذا لم ترفع بشأنك للإدارة؟”.. قال وهو يقهقه: “لو كانت شمس كان من أمس.. رفعت لهم بالعديد من الخطابات وفي كل مرة يعتذرون بأنهم لا يستطيعون أن يزيدوا من دخلي حتى لا يأثروا على نفسيات زملائي سلباً”.. هنا توقفت عن الاسترسال في الحديث معه وأنا متعجب من الحديث الذين دار بيننا.

لدي احساس بأن أغلب الشركات الوطنية (وأيضاً العربية) تدار بعقلية أقل ما يقال عنها أنها بقالية (نسبة إلى البقالة).. فمعروف أن البقالة تدار من قبل شخص واحد وهو صاحبها.. والذي يريد أن يحصل على غلة يومه فقط ولا يفكر في التطوير.. لذا لن تجد يوماً ما شركة محلية تصل إلى مصاف الشركات العالمية طالماً لم تجعل نصب أعينها التخطيط والتطوير كوسيلة للاستمرارية.. وأيضاً لي مشاكل مع المسئولين الذين يتم اختيارهم في تنفيذ المهام العليا في الشركات المحلية.. لا أخفيكم بأنني أكرههم كرهاً شديداً لكونهم ليس بالأشخاص السويين (إلا من رحم ربي) وأيضاً ليس لديهم الكفاءة اللازمة للعمل بأمانة تجاه أصحابها وأيضاً الوطن.

أختم بدعوة إلى جميع أصحاب الشركات المحلية (وأيضاً العربية) بأن لا يستمروا بالنهج الحالي وأن يضعوا نصب أعينهم مصلحتهم ومصلحة وطنهم أولاً.. وأن يجعلوا تطوير أبناء بلدهم هو تطوير لهم ولأمتهم مما يعود عليهم بالفائدة وعلى وطنهم على المدى القريب والبعيد أيضاً.. واستثمارهم في البشر لا يقل بأي حال من الأحوال عن استثمارهم المالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *