صبري كوتشي.. باعث الدعوة الإسلامية في ألبانيا

“هذا نوع من الرجال يوصف في لغتنا الدينية بالمجاهد؛ لأنه إنسان ضحى بنفسه من أجل دينه وإرضاء ربه”.. بهذه الكلمات يجمل العالم الألباني الأزهري المشهور “وهبي إسماعيل” وصفه للشيخ صبري كوتشي مفتي ألبانيا السابق وأحد أشهر علمائها وأكثرهم تأثيرا، وكان له فضل كبير في القضاء على الشيوعية التي قضى في سجونها 20 عاما.

    ملامح نشأته

ولد صبري كوتشي في 14 مايو لعام 1921م في قرية أورنيا بمحافظة ليبراجد التي تقع جنوب شرق ألبانيا على الحدود مع مقدونيا، والتي أخرجت أكبر عدد من حفاظ القرآن الكريم، وبعد ولادته ونتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة سافر والده إدريس للعمل في مدينة سالونيك باليونان، فمات هناك، وشاءت الأقدار أن ينشأ الطفل صبري يتيما ولم يتمم بعدُ عامه الأول.

دخل الطفل صبري بحر الحياة، وتعلم كيف يتحمل صعوبتها، وكيف يختار الطريق الأمثل له، وكان على أمه أن تتحمل عبء رعاية وتنشئة طفلها الصغير صبري وتعوضه فقد أبيه، فبدأت ترعى وتتابع تلقيه التعاليم الإسلامية الأولية في البيت؛ إذ كانت العادات الألبانية المتبعة في هذه القرية المشهورة بتدينها أن يتلقى الأطفال المبادئ والأخلاق الإسلامية الأساسية في طفولتهم داخل البيت قبل أن ينتقلوا إلى أي مدرسة أخرى لتكملة تعاليمهم.

    في إشكودرا.. مهد العلم

ومع وصول صبري لسن العاشرة بدت عليه ملامح الذكاء وحب العلم، وبدأت شهرته وسط قريته تزداد؛ الأمر الذي دفع أحد أصدقاء الأسرة وهو “آدم كاستراتي” إلى إقناع والدته بإرساله إلى مدينة إشكودرا التي تقع شمال ألبانيا على الحدود مع الجبل الأسود.. حيث كان يطلق عليها في ذلك الوقت مهد العلم؛ نظرا لتواجد عدد كبير بها من العلماء الألبان الكبار الذين درس بعضهم بالأزهر الشريف.

وابتداء من عام 1932م كان على “التلميذ صبري” أن يكابد حياة العلم والعمل معا؛ صباحا يتلقى دروسه المدرسية، ومساء يعمل بعض الشيء للتغلب على مصاعب الحياة.. وأصبح التلميذ صبري بسلوكه وأدبه إضافة لذكائه وحرصه على التعلم موضع احترام جميع مدرسي المدرسة الإسلامية بإشكودرا.. خاصة معلمه المباشر “حافظ محمد كاستراتي” الذي كان يعمل في الوقت نفسه مؤذنا لمسجد “روسيت الصغير”، ولإعجابه بصوت تلميذه “صبري” بدأ يتركه بين الحين والآخر يؤذن للصلاة بالمسجد مكانه.

وبمجرد انتهائه من تحصيل الدروس الأولية بالمرحلة التمهيدية بمدرسة إشكودرا الإسلامية لاحظ معلمه “الحافظ كاستراتي” تحسنه السريع في تحصيل الدروس واجتهاده في فهمها، فدفع به لأحد أكبر العلماء بمدينة إشكودرا كي يكمل على يديه مشواره العلمي.. فتولاه العالم “حاجي محمد بكتشي” الذي احتضنه وشمله برعاية كبيرة واهتمام خاص كأحد أبنائه، وبذلك تهيأت الظروف لصبري لتحصيل أكبر قدر ممكن من العلوم الإسلامية والتبحر فيها واجتيازها بنجاح.

ودرس صبري معظم دروسه على يد شيخه “الحافظ محمد بكتشي”، وتلقى بعض المواد الدينية التخصصية على أيدي مشايخ آخرين مثل علم القراءات الذي درسه مع “الحافظ صبري بك بوشاتي”، وعلم التفسير درسه مع “الشيخ تشازيم هوجا”، وذلك خلال فترة دراسته التي امتدت لـ15 سنة بمدرسة إشكودرا.

    عملية تعليمية متكاملة

ولم تنفصل الدراسة في المدرسة الإسلامية بإشكودرا عن التطبيق العملي فلقد كان على الطلاب القدامى التدريس لزملائهم المبتدئين والجدد، كما كان عليهم إقامة الشعائر في بعض المساجد التي تشكو عجزا في الأئمة، وكان يطلب منهم التوسع دراسيا في بعض المواد الدراسية عن طريق البحث في المراجع الأخرى المتوفرة لدى بعض أئمة وعلماء المدينة؛ فكانوا يحضرون مجالسهم ومناقشاتهم في المسائل العملية والاستفادة من نصائحهم التربوية.

وفي هذا السياق كان “الطالب صبري” يتردد على الشيخ “حافظ إبراهيم قادوكو” الذي لم يكن يبخل عليه بالنصيحة، ويمده بما يحتاجه من الكتب والمراجع العلمية.

وبعد 15 سنة متصلة من الدراسة الجادة والتحصيل المستمر استطاع حافظ صبري كوتشي نيل درجة الإجازة العلمية، التي كانت تعطى في ذلك الوقت باللغة العربية كدليل على استيعاب الطالب الألباني للعلوم الإسلامية الشرعية بلغة القرآن، وصدرت الإجازة عن الشيخ “حافظ محمد محمد بتشير إشكودراني” يوم الخميس من شهر ربيع الأول من عام 1370هـ.

وكانت الإجازة (الدبلومة) في ذلك الوقت تشتمل على درجات الطالب في المواد العلمية، إضافة إلى درجاته على سلوكه وأخلاقه خلال فترة دراسته.. وقد نال الشيخ صبري أعلى التقديرات في الأمرين، وتخرج كإمام ليبدأ جهاده في ميدان التعليم والدعوة.. وأضيف لاسمه لقب “حافظ”؛ حيث كان يطلق على من يتم حفظ القرآن، ثم أضيف إليه لقب “حاجي” بعدما تيسر له تأدية مناسك الحج.

    نشاطه الدعوي

وفي عام 1939م تم تعيين الشيخ “حافظ صبري كوتشي” إماما بأحد مساجد المنطقة القديمة من مدينة إشكودرا، ثم انتقل إلى مسجد بارظه “المسجد الأبيض”، وظل يعمل به حتى عام 1952م حيث تم تعيينه إماما بمسجد “روسيت الصغير” الشهير، وكان في كل مسجد ومنطقة يعمل بها يزداد عدد المقبلين على المسجد خاصة من الشباب؛ حيث يرتبط بصداقات وثيقة معهم ويقرب لهم معاني الإسلام، حتى أصبح له الكثير من الأصدقاء بالمدينة، وخلال وقت قصير تغيرت المنطقة المحيطة بمسجده، وزادت فيها أعداد المصلين والمستمعين لدروسه، وخاصة يوم الجمعة حتى امتلأت المساجد عن آخرها.

وكانت كلماته بسيطة تستند للقرآن الكريم والحديث الشريف وترتبط بواقع الناس، ولكنها كانت كالنيران تدخل أفئدة المصلين وترفع من إيمانهم، وقد أخذ على عاتقه مهاجمة المبادئ الشيوعية الإلحادية وينتقد دعاياتهم ضد الأديان، وكان يقول عن الشيوعية: “لا توجد جريمة أعظم من أن تغلق بالقوة أبواب الإيمان أمام أرواح الناس”.

وعن هذه الفترة يقول صبري كوتشي: “بينما كنت ألقي درسا للشباب داخل المسجد دخل فجأة وبدون أي أدب أو حياء كل من رئيس الحزب الشيوعي لمحافظة إشكودرا ورئيس مكتب المخابرات بنفس المحافظة.. الأول أصدر أمرا لكل الشباب بالخروج فورا من المسجد بينما الثاني بدأ في توجيه التهديدات إليّ، قائلا: أنت أكثر أعدائنا من المشايخ خطرا، أنت تسمم أفكار الشباب، أنت تقدم لهم أفيونا، أنت لا بد من أن تخلع عباءتك الدينية وتترك عملك.. فرددت عليه: لن أخلع عباءتي تحت أي تهديد كان، ولن أترك الطريق الذي سلكته منذ طفولتي…”.

ومع صدامه والسلطات الشيوعية تم نقله عدة مرات من مسجد لآخر ومن مدينة لأخرى بهدف إبعاده عن تلاميذه ومحبيه.. إلى أن استقر به الأمر في مدينة كفايا وسط ألبانيا عام 1956م ولكنه استمر على نشاطه، يصفه “حاجي جعفر إشكودرا” فيقول: “في البداية لفت أنظارنا شعوره الكبير بالمسئولية مع بساطته الشديدة؛ لدرجة أنه غير من صورة المفتي المتعارف عليها وسط أهالي مدينة كفايا”.. وفي أثناء عمله وإقامته بكفايا تم توسعة مسجد “علي هايدريت” الرئيسي بالمدينة، كما تم بناء 15 مسجدا في قرى المحافظة حضر حفل افتتاحها جميعا.

    مواجهة الشيوعية

وبناء على طلب تقدم به أهالي المنطقة سرعان ما عاد صبري كوتشي مرة أخرى إلى مسجد روس الصغير بإشكودرا، وزادت كثافة حضور الأهالي إلى مسجده، ونافس الأطفال الشيوخ في حضورهم لدروسه، ودبت صحوة إسلامية بين شباب منطقة المسجد؛ وهو ما أقلق مؤسسات الدولة الشيوعية التي كانت تركز على تربية الشباب الألباني على الأيدولوجيات والمناهج الشيوعية، وأطلقت في ذلك شعار “تربية الإنسان المعاصر”؛ فكان الشيخ صبري بحركته الدعوية ونشاطه العلمي أكبر عقبة في نجاح برامجها وأنشطتها بمدينة إشكودرا، فكان أن طالبت كوادر الحزب الشيوعي الدولة بالتخلص من هذا “الشيخ العنيد”؛ لأنه كما قالوا عنه “إمام نشيط ومثقف ويجذب بحديثه الشباب إليه.. لا بد من إبعاده لأنه أصبح عقبة”.

وفي الرابع من شهر مايو من عام 1966م صدر الأمر بالاعتقال، يحكي الشيخ صبري: “كان يوم جمعة، وبعد انتهاء الصلاة وجدت أهل المسجد يحيونني بشدة لم يسبق لهم من قبل أن حيوني بها ثم وجدتهم لا ينصرفون من المسجد؛ وهو ما لفت نظري.. ولكن سريعا ما عرفت السبب؛ فقد كانت آخر جمعة لي ولهم…”.

دخل الشيخ صبري السجن وعمره 45 عاما، وقضي فيه 20 سنة و4 أشهر و18 يوما، ثم خرج في 22 أكتوبر عام 1988م، وكان عمره قد بلغ 65 سنة فخرج شيخا مجهدا ومتعبا جسديا، وإن لم يفقد روح الشباب وحبه لدينه ولأهل بلده. فبدأ على الفور العمل والحركة لإلغاء الحظر الذي فرضه الحزب الشيوعي على الأديان منذ عام 1967م.

    أسعد أيام حياته

كان يوم 16 نوفمبر من عام 1990م أسعد أيام حياته كما يقول هو؛ فهو اليوم الذي اتفق فيه مع شباب مدينة إشكودرا على حشد أهالي المدينة والزحف باتجاه المسجد الرصاصي “الأثري” وفتحه رغما عن الحكومة، وفي ليلة هذا اليوم طلب شباب المدينة منه ألا يبيت في بيته، وأن يختفي لديهم حرصا على تفويت الفرصة على أي مؤامرة قد تتم ضده، وفي الصباح بدأ أهالي المدينة في التجمع والزحف باتجاه المسجد الرصاصي، وعقد مؤتمر أمامه بلغ عدد المشاركين فيه أكثر من 55 ألف مشارك من إجمالي عدد سكان المدينة البالغ مائة ألف.. وقرروا فتح المسجد وإعلان الأذان والبدء بإقامة شعائر الصلاة به لأول مرة منذ 23 سنة بعد أن جرمت الشيوعية الدين عام 1967م.

ثم بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مسلمي ألبانيا قاد فيها الشيخ صبري سفينة الدعوة، وحمل على عاتقه مسئولية المشيخة الإسلامية الألبانية بعد أن تم انتخابه رئيسا لها في 14 فبراير من عام 1991م في مرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها ألبانيا. ولم يضيع الشيخ وقتا، وبدأ في الاتصال بالعالم الإسلامي وإرسال الرسائل وشرح الظروف التي تمر بها ألبانيا، وتوافدت على الفور الوفود الإسلامية والعربية للمساعدة في إحياء الحياة الإسلامية التي حرم منها الشعب الألباني لمدة نصف قرن.

وكان في قمة أولوياته الاهتمام ببناء مؤسسات التعليم الإسلامي لتوفير العجز في الأئمة والدعاة الألبان عن طريق إعادة فتح مدارس المشيخة الإسلامية، وإرسال البعثات الدراسية للطلاب الألبان للدول العربية والإسلامية.

كما اهتم اهتماما خاصا بالثقافة الإسلامية بتوفير الدعم اللازم لطبع الكتب الإسلامية من جهة، ولإعادة إصدار جريدة المشيخة الشهرية “دريتا إسلام” (نور الإسلام)، واستطاع سريعا التغلب على المشكلات المادية، وإصدار العدد الأول منها في 10 يناير لعام 1992م بعد أن منع النظام الشيوعي منذ منتصف الأربعينيات إصدار أي كتاب أو مطبوعة إسلامية.

وعلى الجانب الدعوي والإعلامي نجح بالتعاون مع آخرين في عمل برنامج ديني أسبوعي صباح كل أحد بقناة التلفزة الحكومية، كما لم يترك مناسبة دينية أو حفلا لافتتاح مسجد أو مدرسة إسلامية إلا استثمرها في الدعوة للعودة إلى الإسلام.

    تسليم الروح بعد تسليم الأمانة

واستمرت رئاسة الشيخ صبري للمشيخة ما يقرب من 14 عاما، عمل من خلالها على بناء المؤسسات الإسلامية الألبانية التعليمية والثقافية وتربية الأجيال الجديدة على الإسلام، ولكن نتيجة لكبر سنه واشتداد المرض عليه استقال الشيخ صبري من رئاسة المشيخة في بدايات عام 2004م، وأجريت انتخابات داخل أوساط المشيخة تم فيها اختيار الحاج سليم موتشى رئيسا لها.. مع بقاء الشيخ صبري رئيسا شرفيا للمشيخة الألبانية.. وما أن سلم كل ما لديه من أمانات حتى فاضت روحه إلى بارئها بعد ذلك بفترة قصيرة في 18 يونيو عام 2004م مساء يوم جمعة عن عمر يناهز 83 سنة.

ولم يعرف فضل الشيخ إلا بعد وفاته، وفي المؤتمر الثاني لحركة المساواة الألبانية في 4 مارس 2005م بالعاصمة تيرانا، وفي حضور ممثلي الأديان السماوية وأعضاء البعثات الدبلوماسية، وفي معرض الثناء على دور المشيخة الإسلامية الألبانية في تحقيق الاستقرار ودعم الحوار بين أتباع الديانات السماوية بمنطقة البلقان.. تم إهداء وسام “الفضيلة” للشيخ حاجي حافظ صبري كوتشي “بعد وفاته” تقديرا لجهوده الملموسة في مجالات خدمة السلام وقضايا التنمية واحترام حقوق الإنسان، وتم تسليم الجائزة لابنه منير كوتشي.

المصدر: إسلام أون لاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *