سقوط القنوات الإخبارية العربية في الفخ ‘الإسرائيلي’

بقلم: محمد زيادة

mozeada@islammemo.cc

على مدار الأيام الماضية، وأنت عزيزي القارئ تتجول ببصرك بين القنوات الإخبارية العربية.. هل فهمت شيئًا؟! هل لاحظت شيئًا مما بثته تلك القنوات؟!

فهذه قناة ‘الجزيرة القطرية’ـ مقصد المواطن العربي المكبوت سياسيًا- تفيض وتزيد من بث تقارير حية من داخل المستوطنات اليهودية في غزة التي تم إخلاؤها وفقًا لما يُعرف بـ’خطة فك الارتباط’، وجميع المشاهد ُتركز على انتحاب الفتيات اليهوديات وعويل العجائز الصهاينة بسبب إجلائهم من المستوطنات التي اغتصبوا أرضها من الفلسطينيين قبل عشرات السنين.. وهذه قناة ‘العربية’ لا تقل في تغطيتها المُسهبة للحدث عما فعلته نظيرتها القطرية، وتلك قناة ‘النيل للأخبار المصرية ‘ أرادت أن تُجاري السبق الصحفي ـ كما يسمونه – ففاضت الكيل هي الأخرى في بث مشاهد الانتحاب والحزن الصهيوني، وحتى ‘القناة الأولى المصرية’ التي تعمل على ‘البث الأرضي’ قامت بقطع إرسالها ونقل عملية الانسحاب الصهيوني ـ الذي هو في حقيقته إعادة انتشار وليس انسحابًا بالمعنى الكامل والشامل – وهي القناة التي يقصدها غالبية المصريين ممن لا يملكون ثمن الأطباق اللاقطة الفضائية، قامت هي الأخرى بما قامت به شقيقاتها على المستوى العربي.

فالمشهد شبه واحد ‘صورة فتيات صغيرات يهوديات يقفن صارخات في وجه جنود جيش الاحتلال الصهيوني، وأخرى ترتمي على الأرض متشبثة بترابها؛ احتجاجًا على إجلائها من المستوطنة، وهذه لقطة لعجوز يهودية تقدم الطعام استعطافًا للجنود، وتطالبهم بعدم تنفيذ الأوامر’.

وعن القنوات العربية الأخرى في بثها للحدث على مدار الأيام المختلفة، فحدث ولا حرج.

حوار مع متخصص

وما أرغب في قوله والتأكيد عليه من خلال تلك المقدمة يمكن استنباطه بجلاء من خلال حوار جمعني بكاتب متخصص في الشئون الصهيونية له مكانته ـ لا أشك على الإطلاق في انتمائه للقضايا العربية والإسلامية- أخبرني أنه ‘يشعر بالضيق والحزن على حال اليهود الذين تم إجلاؤهم من منازلهم في المستوطنات اليهودية بغزة، ويقدم العذر لهم على بكائهم وثورتهم ضد رئيس الوزراء الصهيوني ‘أريل شارون’ لقيامه بهذه الخطة’.

وصاحبي يعرب عن شعوره هذا من منطلق إنساني، وليس من منطلق عقائدي!

هذا ما يجعلنا نوجه سؤالاً للمسئولين عن القنوات العربية: ما بال المواطن العربي البسيط ـ غير المُلم بتفاصيل القضية الفلسطينية – وهو يرى تلك الإفاضة والمبالغة في نقل مشاهد البكاء والعويل لليهوديات الشابات على وجه الخصوص ـ لاحظ أن بحثًا صهيونيًا لمركز دراسات تابع لجامعة ‘بار إيلان’ أوصى وزارة الخارجية الصهيونية في عام 2003 بتحسين صورة إسرائيل عن طريق ناطقات إعلاميات صغيرات وجميلات لتحسين صورة الكيان الصهيوني أمام العالم، ولاحظ على المسار نفسه أن غالبية المشاهد التي بثتها القنوات العربية عن الانسحاب كانت لفتيات شابات ينتحبن بحرارة لا نظير لها!

الحقيقة أن هناك احتمالين لا ثالث لهما وراء هذا الاهتمام الإعلامي العربي غير المسبوق بخطة فك الارتباط، وبينهما بون شاسع:

الأول: رغبة القنوات العربية في إشعار المواطنين العرب بلحظات النصر ـ القليلة في عصرهم الحالي- وذلك بالتركيز على بكاء اليهوديات وصراخ الرجال المنتمين لليمين اليهودي المتطرف.

الثاني: عدم وجود دراسة بحثية وخطط مُسبقة لنقل مثل هذه الفعاليات، وهذه أشك فيها خاصة مع خبرة الجزيرة والعربية في نقل أحداث سابقة.

إذًا يبقى الاحتمال الأول هو الأنسب للواقع، وهو إن صح، فإنما يُعد ‘شهادة إدانة’ لتلك القنوات؛ لأنهم بذلك يؤثرون تأثيرًا عكسيًا على المواطن العربي، وتشتيت ذهن شبابه في قضية مصيرية مثل ‘القضية الفلسطينية’، خاصة مع التركيز على أن غالبية هؤلاء الشباب لم يعاصروا الكثير من حقب الصراع الصهيوني- العربي.

وهنا، وحتى لا يتهمنا البعض بالمبالغة، يكفي الإشارة لنقطتين أساسيتين:

الأولى:

أنه بمتابعة لما بثته القنوات ‘الإسرائيلية’ على مدار الأيام الماضية بالتوازي مع ما بثته القنوات العربية يتبين حجم الموضوعية في تناول الأولى للحدث، حتى أنها لم تُفيض في مشاهدها من قطاع غزة على نقل البكاء والصراخ كما فعلت القنوات العربية! وركزت جل اهتمامها في تحليلات سياسية لكبار القادة العسكريين والسياسيين داخل الكيان حول تداعيات عمليات الإخلاء من غزة على المسار الصهيوني – الفلسطيني، وما من شأنه التأثير على مسارات أخرى مثل الملف الصهيوني – السوري، فضلاً عن الفرص القائمة ـ بتنفيذ الانسحاب – لتطبيع العلاقات ـ كاملة- مع الدول العربية الأخرى.

الثانية:

ما أوردته صحيفة ‘ هاأرتس’ العبرية 21/8/2005 تحت عنوان ‘بكاء المستوطنين أكبر مسرحية في تاريخ إسرائيل’. والتفاصيل تتضح من العنوان، فالصحيفة الصهيونية ـ واسعة الانتشار- تصف ما قام به المستوطنون اليهود أمام كاميرات التليفزيون بأنه ‘مسرحية’ تم تمثيلها بمنتهى الدقة؛ لنيل عاطفة المشاهدين.

ولم تكن الصحيفة تقصد بالطبع، القنوات العربية، بل كانت تتحدث في ظل دفاعها عن الخطط السياسية لرئيس الحكومة، مهاجمة في الوقت ذاته المستوطنين، خاصة أن شارون وفّر لهم البديل الأفضل والأكثر أهمية بالنسبة لهم في ظل تحقيق مشروعهم الرئيسي ‘السيطرة على الضفة الغربية، بما فيها القدس الشريف سيطرة كاملة’؛ ومن ثم إعلانها عاصمة لهم.

تقول هاأرتس: ‘هذه الأيام نشهد أكبر مسرحية تخرج في إسرائيل – وربما في العالم. حيث قوات عسكرية كبرى، جنود نظاميون، جزء من جهاز الاحتياط وجزء هام من الشرطة يجندون لتفكيك بضع مستوطنات تضم حوالي 7 آلاف نسمة، إضافة إلى بضعة آلاف من النازحين لدعم المستوطنين، الذين يلعبون بالذات الأدوار الرئيسة في مسرحية العبث التي تبث بلا انقطاع في كل شبكات التلفزيون في البلاد وفي العالم في بث حي مباشر.

هذه مسرحية مخرجة جيدًا؛ الدموع تنسكب كالمياه والخصوم المزعومون يتعانقون ويسقط كل على رقبة نظيره، على نحو يشبه الأوبرا اللاتينية التي يطلق أبطالها كلمات الحب المغموسة بالكراهية السامة. المشتكون المهنيون يبكون ويصرخون.. الشعارات التي يفترض أن تهز الشعب الماكث في صهيون في ظل استخدام المخزون الذي لا ينضب من رموز الكارثة والخراب. وحتى رجال الفكر وكّتاب معروفون كرجال أخلاق يتجندون لتعظيم الحزن الجماعي. يخيل أيضًا أن الحديث يدور عن المسرحية باهظة الثمن أكثر من أي مسرحية أخرى كانت ذات مرة. فضلاً عن تعويضات الإخلاء، وبناء الكرافيلات، والمساكن المؤقتة، وفقدان آلاف ساعات العمل – من يدري كم مليار ستكلف المسرحية مُبتزة الدموع في نهاية المطاف’.

بعد أسبوع..

وبعد أسبوع واحد فقط من مقال هاأرتس السابق، خرجت الصحيفة ذاتها بتحقيق آخر يحمل عنوان ‘ تليفزيونات العالم تتجند لصالحنا’، قالت فيه نقلاً عن الناطقة بلسان جيش الاحتلال الصهيوني ‘ ميري ريجف’: ‘لم يحصل الجيش الإسرائيلي على دعاية كهذه خاصة في الصحافة منذ عام 1967’.

وتضيف الناطقة ـ التي تم تعيينها قبل ثلاثة شهور فقط وتم تحميلها مسؤولية الخطة الدعائية لفك الارتباط -: ‘في الجيش تلقينا رسائل الشكر من كل وسائل الإعلام الأجنبية بما فيها الـ ‘بي.بي.سي’ التي شهدت في الماضي علاقات متوترة مع إسرائيل وصلت لحد المقاطعة لنا. مراسلون أجانب يؤكدون أنهم فوجئوا بمدى التعاون والمساعدة من الجيش الإسرائيلي.

واستعانت الناطقة العسكرية بشهادات مراسلي الصحف والتليفزيون العالمية، وجميعهم أجمعوا على أن ما حدث في خطة فك الارتباط من غزة، على المستوى الإعلامي يحدث للمرة الأولى، للدرجة التي جعلت مراسل صحيفة ‘نيويورك تايمز’ في الكيان الصهيوني ‘ستيف أرلنجر’ يصف ما حدث بأنه ‘انفتاح إعلامي إسرائيلي’.

من كل ما سبق نؤكد على أن هذا ‘الانفتاح الإعلامي الصهيوني والتيسيرات الخاصة لمراسلي الصحف والتليفزيونات بما فيها القنوات العربية، كان مقصوداً ومتعمداً، فنجحت ‘إسرائيل’ في أن تظهر للعالم أنها تمد أيديها للسلام، وسقطت القنوات العربية في الفخ، وذرائعهم في ذلك لا تتعدى أمراً من اثنين:

– الحياد الإعلامي

– السبق الصحفي

وفي كلا الأمرين لم تحقق الحياد الإعلامي، بل أنها نجحت في تضليل فكر وذهن المشاهد العربي، خاصة صغار السن منهم، وحتى بعض المتخصصين ـ وفي قصة زميلي دليل على ذلك- كما لم تنجح في السبق الصحفي؛ لأنها حدث ‘مسرحية’ بشهادة الصهاينة أنفسهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *