الطالبان أم بنو علمان؟!

بقلم: د. خالد يونس الخالدي

لاحظت أنه كلما دعا إسلامي إلى فضيلة، أو نهى عن منكر ورذيلة، أو حض على ترك انحراف خلقي أو فاحشة، أو طالب بتحكيم الشريعة، انبرى له العلمانيون من أبناء أمتنا يتهمونه بالطلبنة والتطرف، ويصمونه بالرجعية والتخلف.

والعجيب أن كثيرًا من الإسلاميين الذين يُتهمون بالطلبنة يهبّون لتبرئة أنفسهم من هذه التهمة!، ويبذلون قصارى جهدهم لردها عنهم، وكأنها تهمة مشينة لا تقل عن تهمة الردة أو الخيانة، والأعجب من ذلك أن بعض هؤلاء قد شطَّوا وأظهروا انهزامًا أكبر أمام اتهامات العلمانيين بالطلبنة، إذ راحوا يجارونهم ويحاولون إرضاءهم، فأعلنوا أنهم لا يدعون إلى تحكيم الشريعة، وصاروا يتهامسون فيما بينهم ويبشرون بفكرة انهزامية جديدة، ويقولون: ‘يجب أن لا نسعى إلى الحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة؛ لأن ذلك غير مهم، وإنما المهم هو إقامة الحكم المدني ومؤسساته’، وقد سمعت هذه العبارة تتردد في أوساط إسلاميين يزعمون أنهم أصحاب فكر ثاقب ورؤى خارقة، وكثيرًا ما يفاجئوننا بأفكار يتخلون في كلٍّ منها عن ثابت مهم من الثوابت الإسلامية القرآنية الواضحة.

وسبب وصول هؤلاء المضلَّلين إلى هذه الهاوية هو استسلامهم للإعلام الغربي المجرم الكذاب، وللإعلام العربي الرسمي الإمعة الذَّنب، إذ اعتاد أعداؤنا أن يمهدوا لجرائمهم الكبرى ضد أمتنا من خلال آلتهم الإعلامية الضخمة التي تجيد فن الكذب والتضليل وتعرف كيف تخدع الملايين، وتجعل الباطل في عيونهم حقًا والحق باطلاً، وقد رأينا كيف مهدوا لاحتلال العراق بمجموعة من الأكاذيب والافتراءات والمبالغات والبرامج التلفزيونية والإعلاميين المأجورين، وجعلوا نحو مليار ونصف مليار مسلم يقفون متفرجين يشاهدون الصواريخ وآلاف الأطنان من القنابل تمزق أجساد ومنازل إخوانهم دون أن يحركوا ساكنًا، حتى أنهم لم يخرجوا من بيوتهم للتظاهر مثلما فعل كثير من غير المسلمين، بل إن كثيرًا من هؤلاء المخدوعين كانوا يصفقون طربًا وسرورًا كلما أصاب صاروخ أمريكي هدفه، وكانوا قد قدموا برَّهم وبحرهم وجوَّهم ليكون مستقرًا ومنطلقًا للسفن والطائرات والدبابات التي تحمل الموت لإخوانهم، ورأينا حتى كثيرًا من العراقيين الذين غسل الإعلام أدمغتهم يخرجون من بين أنقاض بيوتهم المدمرة ليرحبوا بالأمريكان ويصفقوا لهم على حسن بلائهم وكثرة تدميرهم، ويشكرونهم بحرارة ويلقون عليهم التحيات والورود باعتبارهم المخلِّصين لهم من الظلم.

وكان الإعلام الغربي وذنَبه العربي الرسمي قد مهد لاحتلال أفغانستان بالأسلوب نفسه؛ فأقنع المسلمين أن حركة طالبان جاهلة متخلفة ورجعية متطرفة، تفرض على المرأة تغطية وجهها، وتمنعها من حقها في التعليم، وترجمها لأتفه الأسباب، وتعيد الناس إلى القرون الأولى، وترفض كل أشكال التحضر والعمران، وتؤوي الإرهابيين على أرضها، وترفض التعامل مع المجتمع الدولي ولا تقبل قوانينه، وتزرع المخدرات وتتاجر بها، وتنشرها في العالم.

وقد أسهمت هذه الدعاية الكاذبة في تحقيق هدف الأعداء بيسر وسهولة، إذ وقف المسلمون يتفرجون ببلادة على أشلاء إخوانهم التي تتمزق ودمائهم التي تسيل، ولسان حال كثير منهم يقول: اضربوهم، مزقوهم، خلصونا من شرهم فإنهم يستحقون.

لقد أدرك وفد منظمة المؤتمر الإسلامي الذي ذهب إلى أفغانستان لإقناع طالبان بعدم تدمير تمثال ‘بوذا’ كذب الدعاية الغربية على طالبان، وأدلوا بتصريحات تؤكد ذلك، ومن هذه التصريحات قول مفتي مصر الأسبق الدكتور ‘نصر فريد واصل’: ‘عندما ذهبنا إلى هناك اكتشفنا أن الواقع في أفغانستان مخالف تمامًا لما رسمه وأذاعه الإعلام الغربي عن طالبان، الحقيقة أن دهشتنا كانت كبيرة لهذا الواقع الذي زيفه إعلام الغرب… وأنا أعترف أنني شخصيًا كنت مصدقًا لكل ما أذيع عنهم، ولكن بعد الزيارة اقتنع الوفد كله بلا استثناء بظلم الإعلام الغربي وتضليله للعالم فيما يخص واقع أفغانستان وطالبان. بصراحة أيضًا أنا أعتبر هذه الزيارة كلها إيجابيات؛ لأننا عرفنا عن كثب كذب المزاعم الغربية’.

كما أدركت ذلك الصحفية الإنجليزية [أيفون رايلي] التي اعتقلها لمدة عشرة أيام أعضاء طالبان قُبيل القصف الأمريكي لأفغانستان بأيام، وعاملوها معاملة دفعتها لدخول الإسلام، وخرجت تتحدث للصحفيين عن حسن معاملة الطالبان لها، وعن عظمة أخلاقهم، وعن كذب الدعاية الغربية عنهم، وفي محاضرة ألقتها في الكويت بدعوة من مركز الوعي للعلاقات العربية الغربية، قالت: ‘حتى عندما اكتشفوا من أول لحظة أنني إنكليزية متخفية في لباس أفغانية بعد أن سقطت مني الكاميرا وفضحتني على الحدود لم يفتشوني بأنفسهم، بل استدعوا امرأة قامت بتفتيشي بعيدًا عن أعين الرجال’.

كما تحدثت عن جرأتها عليهم وشتمها لهم وسخريتها منهم وتحديها لهم، وأخيرًا البصقة القوية التي قذفتها في وجه أحد محاوريها، وذكرت أن كل هذا وغيره من الإهانات والتحدي لم يكن له أثر على رجال الطالبان الذين استمروا في حسن معاملتها، وختمت رايلي محاضرتها قائلة: ‘إنني ألقي محاضرتي عليكم باللباس الشرعي الإسلامي الذي أعطاني إياه نظام طالبان في السجن هناك، وأحمد الله أنني سُجنت من قَِبل نظام طالبان الذي يصفونه بالشرير، ولم أُسجن في معتقل [جوانتانامو] أو [أبو غريب] للنظام الأمريكي الديموقراطي؛ كي لا يغطوا رأسي بكيس ويلبسوني لباسًا برتقاليًا، ويربطوا رقبتي بحزام ويجروني على الأرض بعد أن يعروني’.

لقد استغل العلمانيون الصورة البشعة التي طبعها الإعلام الغربي عن طالبان في عقول كثير من المسلمين؛ ليهاجموها ويتخذوها دليلاً على عدم صلاحية الإسلام للتطبيق، وليتهموا بالطلبنة كل من ينادي بالحكم الإسلامي ويدعو إلى الفضائل ويستنكر الانحرافات والرذائل.

وبالرغم من بعض مآخذي على حركة طالبان، إلا أني أجزم أنهم حققوا خلال مدة حكمهم التي لا تزيد عن خمسة أعوام ما لم تحققه جميع الدول التي أنشأها العلمانيون العرب خلال أكثر من نصف قرن.

وإلى الذين لا يصدقون بذلك أقول: مَنْ الأشرف؟؟!

* الإمارة التي رفضت تسليم المجاهدين العرب إلى أعداء المسلمين، ودفعت ثمن موقفها الشريف هذا دماء أبنائها واحتلال أرضها وضياع سيادتها، أم دول العلمانيين التي سلمت علماءها ومصانعها ومجاهديها لأعدائها وتفاخرت بذلك؟!

* الإمارة التي حافظت على العادة الإسلامية الحسنة بالحجاب والتي تسود أفغانستان منذ الفتح الإسلامي، أم الدول التي دعت وعملت على خلع حجاب المرأة العربية المسلمة، حتى صارت نساء العرب يخرجن شبه عاريات؟!

* الإمارة التي حافظت على العفة والفضيلة وشجعت عليها وأقامت الحدود على المصِرَّات على الفاحشة، أم الدول التي شجعت على الفاحشة وسنت القوانين التي تبيح الزنا، وعاقبت ولي الأمر الذي يمنع محارمه من الزنا أو التبرج؛ مما أدى إلى انتشار الفاحشة والإيدز في ديار العرب؟!

* الإمارة التي طهرت أفغانستان تمامًا من المخدرات خلال مدة وجيزة بعد أن كانت أولى دول العالم إنتاجًا وتصديرًا لها، أم الدول التي يكفي ما تشتريه من مخدرات في العام الواحد لسداد ديونها المتراكمة من عشرات السنين والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات؟!

* الإمارة التي قضت على الفساد الإداري والأخلاقي ونشرت الأمن والأمان خلال سنوات قليلة، أم الدول التي يتفاقم فيها الفساد والانحراف والفوضى ويزيد كل يوم؟!

وأخيرًا أقول ألم يأنِ للعلمانيين أن يسكتوا بعد أن جربناهم ورأينا الهزائم والمصائب كلها على أيديهم؟!!

————-

د.خالد يونس الخالدي – أستاذ التاريخ المشارك – الجامعة الإسلامية – غزة

المصدر: مفكرة الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *